مارك إسبوزيتو
تيرينس تسي
جوشوا إنسمينجر
أصبحت الجهود المبذولة من أجل تطوير الذكاء الاصطناعي تدخل في إطار السباق العالمي، أو حتى في إطار لعبة كبرى جديدة. وبالإضافة إلى تسابق الدول نحو بناء مؤهلات قومية وميزات تنافسية، تتنافس الشركات على اكتساب مواهب الذكاء الاصطناعي أيضا وميزات بيانات ذات فعالية، وتقديم خدمات فريدة من نوعها. وفي كلتا الحالتين، سيعتمد النجاح على ما إذا كان من الممكن دمقرطة حلول الذكاء الاصطناعي، وتوزيعها على جميع القطاعات. ولا يشبه التسابق نحو الذكاء الاصطناعي العالمي أي منافسة عالمية أخرى. لأن مدى تشجيع الدول والشركات والأكاديميات للابتكار يختلف بشكل كبير من دولة إلى دولة. إلا أنه على العموم، أغلب الابتكارات لحد الساعة، كان مصدرها الجامعات. أما الحكومات فقد ساهمت من خلال التزويد وليس من خلال البحوث والتنمية الداخليين.
وبينما انخفضت حصة البضائع في التجارة العالمية، ارتفعت بالمقابل حصة الخدمات الرقمية، بحيث تشكل الرقمنة أكثر من 60 % من مجموع المعاملات التجارية. ومع حلول العام 2025، يتوقع توفير نصف مجموع القيمة الاقتصادية في المجال الرقمي. ولأن الحكومات تبحث عن سبل الحصول على مكان لها في السلسلة القيمية للمستقبل، اتجهت نحو الذكاء الاصطناعي.
وعلى هذا الأساس، تتوفر بعض الدول بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وفنلندا ونيوزيلاندا والصين والإمارات العربية المتحدة على استراتيجيات قومية للذكاء الاصطناعي لتعزيز المواهب على المستوى المحلي، والاستعداد لانعكاسات الأتمتة على أسواق الشغل والبرامج الاجتماعية في المستقبل.
لكن الطبيعة الحقيقية للتنافس على الذكاء الاصطناعي لا زالت تحتاج لإعادة النظر. وأغلب الاحتمالات أنها لن تكون مقيدة بمجال ما، وأهم العوامل التي تحدد النتائج هو الطريقة التي تختارها الحكومات لتنظيم برامج الذكاء الاصطناعي ومراقبتها، سواء على المستوى القومي أو الدولي. ولا تتوفر الصين والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما من المنافسين على أفكار منافِسة حول البيانات والسرية والسيادة القومية فحسب، بل تمتلك أيضا رؤى متشعبة حول الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه النظام الدولي للقرن الواحد والعشرين.
وأثناء رسم هذه الخطوط، أهم شيء يجب تذكره هو أن تدفق البيانات يتوافق مع الحدود الجغرافية بمحض الصدفة فقط، وليس بشكل أساسي. فمن المنظور الجيوسياسي، تعتبر الدول الأمم وحدات سيادية؛ لكنها من منظور الاقتصاد الرقمي سيادية بالاسم فقط وليس بالضرورية على مستوى الممارسة. وكون تدفق البيانات العالمية منظم حاليا حسب حدود السيادة السياسية لا يعني أنه أمر ضروري.
وبالتالي فبرامج الذكاء الاصطناعي القومية وضعت من باب الاحتياط فقط. ولحد الساعة، تظن الحكومات أن الدولة التي ستحرز المركز الأول في السباق هي تلك التي تحصل على حصة الأسد من القيمة المحتملة للذكاء الاصطناعي. يبدو هذا معقولا. ولكن المسألة لا تكمن في ما إذا كان الاعتقاد صحيحا، بل تتجلى فيما إذا كانت السياسات القومية ضرورية، أو حتى حكيمة.
وفي النهاية، وضع المسألة داخل إطار قومي بشكل دقيق يعني الجهل بطريقة نمو الذكاء الاصطناعي. ومدى تقاسم الدول لمجموعة البيانات سيحدد ما إذا كانت الحلول الحسابية لتعلم الآلات، ستؤدي إلى تحيزات لدول معينة. وإذا سُجِّلت أنواع معينة من الرقائق على أنها تكنولوجيا مملوكة، فإن ذلك سيحدد مدى سير الابتكار على المستوى العالمي. وعلى ضوء هذه الحقائق، هناك سبب يجعلنا نخاف من أن يعرقل تكسر السياسات القومية النمو في مجال الاقتصاد الرقمي.
وعلاوة على هذا، في الظروف الحالية، تتنافس البرامج القومية للذكاء الاصطناعي على فئة من المواهب المحدودة العدد. ورغم أن هذه الفئة ستتوسع مع مرور الوقت، إلا أن المؤهلات التي تحتاجها الاقتصادات التي تعتمد أكثر فأكثر على الذكاء الاصطناعي ستتغير. فعلى سبيل المثال، سيرتفع الطلب على الخبرة في مجال أمن الحاسوب.
ووجد المطورون في مجال الذكاء الاصطناعي الذين يشتغلون في مراكز البحوث والجامعات الكبرى استراتيجية خروج فعالة. ونظرا لأن الشركات تدفع للباحثين أكثر من غيرها، هناك الآن، فارق عالمي واسع في المواهب بين الشركات الكبرى و بين أي مؤسسة أخرى. ونظرا لكون الشركات التجارية الكبرى تستطيع الاطلاع على مخزن البيانات الشاملة والغنية، التي ليست متاحة للقادمين الجدد والشركات الصغرى، فالسوق أصبحت مركزة بشكل مكثف بالفعل.
وفي ظل هذه الظروف، يتضح أن الإجراءات الانعزالية- خاصة القيود التجارية وتلك المتعلقة بالهجرة- ستكون سلبية على المستوى الاقتصادي على المدى البعيد. وكما تظهره مكونات التجارة العالمية التي تتغير باستمرار، لن يكون مصدر معظم القيمة الاقتصادية في المستقبل من السلع والخدمات، بل من البيانات المتعلقة بها. وبالتالي، ستحقق الشركات التي تحصل على تدفقات البيانات العالمية على القيمة الأكبر من الأرباح.
وجوهريا، تدور المنافسة العالمية الجديدة حول برامج يمكنها الجمع بين الخيارات البديلة واتخاذ قرارات أمثل. وفي آخر المطاف، سيكون المواطنون هم من يتحمل عبء التكيف مع مثل هذه الوسائل التكنولوجية. ولكن قبل أن يحين الأوان لذلك، من الضروري التنسيق بين مطوري وشركات الذكاء الاصطناعي الرئيسيين من أجل ضمان أن توظف هذه التكنولوجيا بشكل آمن ومسؤول.
عندما كانت الدول التي كان لديها أحسن الوسائل التكنولوجية في مجال الإبحار والملاحة تحكم العالم، كانت الساعة الميكانيكية وسيلة تكنولوجية متاحة للقليل من الناس فقط. إن زمننا هذا مختلف. إذا أردنا الحصول على ذكاء خارق، يجب أن يكون ملكية عامة على مستوى العالم.
مارك إسبوزيتو: أستاذ الأعمال والاقتصاد في جامعة هارفارد
تيرينس تسي: أستاذ في كلية ESCP Europe Businessفي لندن
جوشوا إنسمينجر: كبير زملاء في مركز Ecole des Ponts للسياسة والتنافسية