المزارعون الجوعى

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٣/أكتوبر/٢٠١٨ ٠٩:٤٣ ص

هلال إلفر - ميليسا شابيرو

الغذاء فعال في رواية القصص. فنظامنا الغذائي يبين ما إذا كنا نطبخ في المنزل، أو نتسوق محليا، أو نفضل الوجبات غير المكلفة، أو حتى ما إذا كنا نفكر بما نأكله. لكن ما يتناوله المستهلك هو جزء فقط من الرواية، إذ للغذاء خلفيات أيضا، ليست أكثر تفاهة من هذه: إن المزارعين- الأشخاص الذين بفضلهم أصبحت وجبة العشاء ممكنة- هم أكثر من يرقد للنوم ببطون جائعة.

كل يوم يذهب ما يقارب 1.1 بليون شخص عبر العالم - ثلث القوة العاملة العالمية -للعمل في المزارع. وكل ليلة، يرجع العديد منهم -بعد معاناتهم من خروقات لا تعد ولا تحصى لحقوقهم- إلى منازلهم دون المال الكافي لإطعام أنفسهم أو أسرهم.

إن العمل في المزارع هو المجال الوحيد الذي تتعرض فيه الحماية القانونية للتجاهل بشكل دائم. وتبقى معايير الحد الأدنى للأجور التي صادقت عليها المنظمة الدولية للشغل، واعتمدتها العديد من الصناعات عبر العالم، إما أنها لم تخرج إلى حيز التنفيذ في القطاع الزراعي، أو أنها لم تمتد إلى الفلاحيين غير الرسميين. ونظرا لكون العمال المهاجرين يشكلون الجزء الأكبر من القوة العاملة الزراعية، أصبحت الفجوة في الحماية أكثر عمقا.
وفي المناطق القروية للدول النامية، يتقاضى ما نسبته 80% من المزارعين أقل من 1.25 دولار في اليوم الواحد، مما يؤدي بهم إلى الفقر. وبسبب نظام الأجر بالقطعة، يضطر العمال إلى العمل لساعات طوال في طقس متطرف، للاستجابة لمعايير نظام الكوتا المتطلب.
والأسوأ من هذا، هوأن الأشخاص الذين يعملون في المزارع غير الأخلاقية معرضون لمخاطر كبيرة. فحسب المنظمة الدولية للشغل، أصبح العمل في المزارع أحد اكثر المهن فتكا بسبب الآلات الخطيرة، وساعات العمل الطوال والتعرض لمبيدات الحشرات السامة؛ ويموت أكثر من 17000 مزارع كل عام في المزارع غير الآمنة، وهو ضعف معدل الوفيات في أي نشاط صناعي آخر.
ومع هذا، فالعمل الزراعي لا تسري عليه قوانين السلامة والصحة المهنية في معظم الدول. وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية، ليس هناك أي قانون فيدرالي يجبر المشغلين على منح المزارعين أوقات استراحة للشرب وتوفير مكان يحميهم من أشعة الشمس، رغم أن ضربات الشمس تبقى السبب الرئيسي وراء حالات الوفاة الناتجة عن العمل في المزارع في الولايات المتحدة الأمريكية.
وكان الحدث الأخير لوفاة فابريان طوماسي، المزارع الأرجنتيني والمنتقد للصناعة الكيماوية الزراعية في بلده، بمثابة تذكير بمخاطر الزراعة الصناعية. وبينما تقول شركات مثل مونسانتو أن المبيدات ضرورية لضمان الأمن الغذائي، تكشف انعكاسات التعرض للمواد الكيمياوية على عمال مثل طوماسي، الذي التوى جسمه وشوه جراء استعماله للمواد الكيمياوية لأعوام دون حماية، التكلفة البشرية التي تنتج عن استعمالها. وحتى في الدول المتقدمة، يؤثر المفعول السام للمبيدات الخطيرة على واحد من كل 5000 مزارع، ويتعرض عدد لا يحصى من المشغلين للمواد السامة بشكل يومي.
وللأسف، القليل فقط من المزارعين لهم الحق بالدفاع عن حقوقهم. إذ لا يشارك العمال الموسميون والقرويون في المفاوضات الجماعية، كما أن العمال المهاجرين غير الشرعيين يتفادون الانضمام إلى الاتحادات، خوفا من انتقام مشغليهم عن طريق الاتصال بسلطات الهجرة. وفضلا عن هذا، المنافع الأساسية مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وتعويضات العمال منعدمة بشكل عام. ونظرا لإقصائها من العديد من قوانين الشغل، يمكن لهذه الصناعة توفير تكاليف الإنتاج وتحقيق الأرباح على حساب مصلحة العمال.
لقد حان الوقت لكي نكف عن غرس الشوكة في أكلنا بشكل سلبي، واستعمال قدرتنا الشرائية لمقاومة شراء أرخص المواد الغذائية. إن تحميل الناس مسؤولية سوء معاملة العمال سيكون تحديا، لكن لن يكون أمرا مستحيلا. ويمكننا البدء بدعوة الحكومات باستثمار المزيد من الوقت في حماية العمال بدل التحقيق في وضع الهجرة المتعلق بهم.
طبعا، لجعل هذا ممكنا، نحتاج للمزيد من المعلومات بشأن مصدر غذائنا. واليوم، نعتمد على ملصقات المعلومات والشهادات لمعرفة ذلك. لكن ما تحويه هذه المعلومات مجزأ وغير كامل، وأحيانا مضلل. نحتاج للمزيد من المبادرات لمعرفة المعلومات بكاملها. وهذا يعني تجاوز الملصقات التي تقول بأن الغذاء نتج على نحو لائق وبطريقة إنسانية، للمطالبة بملصقات إجبارية لا تمتثل لهذه المعايير.
وفي العالم كله، يعاني ما يقارب 821 مليون شخص من نقص التغذية- وهو رقم مستمر في الارتفاع. إنها مأساة؛ لا ينبغي اختراق قوانين أي شخص، بما في ذلك حقه في الغذاء. إلا أن هذا بالضبط ما يعانيه العديد من عمال المزارع وعمال السلسلة الغذائية كل يوم.
إن الكفاح من أجل حقوقنا كان دائما صعبا، لكن إذا استمرينا في المعركة، قد تفقد القصة العالمية للنظام الغذائي بعضا من مرارتها.

هلال إلفر: المقرر الخاص بشأن الحق في الغذاء لدى الأمم المتحدة

ميليسا شابيرو: مستشارة لدى المقرر الخاص بشأن الحق في الغذاء للأمم المتحدة