عودة ريجانوميكس وأثرها على الاقتصاد العالمي

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٥/أكتوبر/٢٠١٨ ٠٤:٠٠ ص
عودة ريجانوميكس وأثرها على الاقتصاد العالمي

هانس فيرنر سين

هل سيكرر التاريخ نفسه؟ عندما تولى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان شؤون الرئاسة في العام 1981، خفَّض معدلات الضرائب القصوى على مداخيل الشركات والأفراد ومكَّن الشركات من التخلص من إهلاك النفقات الرأسمالية فورا. ووصف ريجان هذه الحزمة الضريبية، بالإضافة إلى الجهود الكبيرة المبذولة من أجل رفع القوانين عن الاقتصاد، على أنها سياسة متعلقة بالعرض، عندما كان هذا البرنامج في الحقيقة أكبر محفز كنزي في التاريخ (في ذلك الوقت).

ولترويج برنامجه الاقتصادي، اعتمد ريجان على ما يسمى بنموذج منحنى لافر، الذي ينص على أن التخفيضات الضريبية ستمول نفسها من خلال دعمها للنمو، وبالتالي ستعزز المداخيل، عندما اصطدمت هذه النظرية بالواقع كانت النتيجة محبِطة.

وخلال الولايتين الرئاسيتين لريجان، ارتفع عجز الميزانية الأمريكية كقيمة من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب ضعف ما كان عليه في ظل الحكومات السابقة، كما أن قيمة الديون الوطنية ارتفعت إلى مئات البليونات من الدولارات، وهو أكثر مما كان متوقعا، ومع ذلك، حقق الاقتصاد تقدما كبيرا عند منتصف الفترة الرئاسية الأولى لريجان، وبالنسبة للمنتمين إلى حزب المحافظين الأمريكي، يبقى ريجان بطلا في الاقتصاد.
والجانب المزعج في الازدهار الاقتصادي لعام 1980 هو ارتفاع معدلات الفائدة بشكل مهول، حيث ارتفعت بشكل مفاجئ معدلاتها الحقيقية خلال عشر سنوات من مدة الخزانات المالية الأمريكية إلى ما يقارب 7% العام 1982، وخلال الولايتين الرئاسيتين لريجان ارتفع معدلها ثلاث مرات أكثر مما كانت عليه في ظل الحكومات السابقة.
وبقيت هذه المعدلات في السبعينيات من القرن الفائت تحت 2% في أغلب الأحيان حتى وإن وصلت إلى مستوى سلبي فإن ذلك يكون مؤقتا. وفي نفس الوقت، كانت تُرفع القيمة الخارجية للدولار على حساب العملات الأخرى، ومع حلول العام 1982، ارتفعت قيمة الدولار بنسبة النصف مقابل المارك الألماني، ومع نهاية الفترة الرئاسية الأولى لريجان، تضاعفت قيمتها.
وبالنسبة للبنوك والحكومات غير الأمريكية وغيرها من المؤسسات التي اقترضت بالدولار، فقد أوجدت العملة الأمريكية المُقوِّية صعوبات في التسديد، وسببت الميزانية العمومية التي كان ينبغي إعدادها بالعملة المحلية نزيفا في رأس المال؛ نظرا لارتفاع التزاماتها المالية، إذ أعلنت المكسيك إفلاسها في العام 1982، ثم تبعتها بعد ذلك البرازيل والأرجنتين بفترة قصيرة. وفي سبعينيات القرن الفائت، اقترضت العديد من الدول اللاتينية بالدولار بشكل مبالغ فيه، وفي ثمانينيات العام الفائت، أصبحت هذه الديون لا تحتمل.
وفي أوروبا، كانت النتائج أقل خطورة لأن الديون لم تكن في غالبها بالدولار ورغم ذلك، لم تتمكن الدول الأوروبية من تفادي ارتفاع معدلات الفائدة دون أن يؤدي ذلك إلى انخفاض في عملاتها يُعد الأكبر على الإطلاق، مما عرقل الانتعاش الذي عرفه مجال البناء في بعض الدول الأوروبية، خاصة في ألمانيا.
وفيما يتعلق بمردودية الاقتصاد، فإن أوجه التشابه بين الحاضر وعهد ريجان تثير الدهشة، فخلال الربع الثاني من هذا العام، تجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية 4%، وهو معدل ضخم من المنظور الأوروبي، كما أن معدل البطالة الحالي انخفض إلى نفس المستوى الذي كان عليه أثناء ذروة فقاعة الإنترنت في العام 2000.
وفي نفس الوقت تواصل معدلات الفائدة ارتفاعها، وفي الفترة ما بين 2011 و2012، لم يكن هناك في الأساس أي فرق بين عائدات حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وعائدات ألمانيا من السندات طويلة الأجل، بينما وصل الفرق اليوم إلى ما يقارب ثلاثة في المئة، وبدأت أسعار معدلات الفائدة ترتفع بوتيرة سريعة منذ صيف العام 2017، أي، حين أصبح واضحا أن قانون الرزمة الضريبية سيحظى بالموافقة. كما أن أسعار الصرف تأثرت أيضا. بينما ارتفعت قيمة اليورو مقابل الدولار في العام 2017، لكنه بدأ يتهاوى منذ بداية العام 2018. ومن المحتمل أن يستمر هذا التراجع، رغم أن قيمة اليورو انخفضت بالفعل. وقد قرر البنك المركزي الأوروبي إبقاء معدلات الفائدة في معدل الصفر، رغم أن معدل الأموال الفيدرالية للخزينة الفيدرالية الأمريكية ارتفع بالفعل إلى 2 %. وهذا لا يعني بالضرورة أننا سنواجه تقلبات هائلة في معدلات الصرف تشبه تلك التي حدثت في عهد ريجان.
إن أزمات العملة التي تشهدها الأرجنتين وتركيا مرتبطة بالانخفاض السريع لمعدلات الصرف والقروض بالعملة الأجنبية التي أصبحت تتزايد صعوبتها في الخدمات -تماما مثلما حدث في العام 1982، عندما واجه البلدان صعوبات كبيرة. كما أن إندونيسيا وجنوب إفريقيا وغيرها من الدول الناشئة معرّضة للخطر أيضا.
ومن المحتمل أن تواجه دول جنوب أوروبا، التي لم تقترض بالعملة الأجنبية (لكن تربطها علاقة مالية وطيدة مع تركيا)، صعوبات في مواكبة ارتفاع معدلات الفائدة، وهذا ما يجعل البنك المركزي الأوروبي يفضل زيادة انخفاض قيمة اليورو على ارتفاع معدلات الفائدة. لقد مرت أربعة عقود على ثورة سياسة التوريد المزعومة لريجان، وبدأت تلوح في الأفق علامات تشير إلى أنها ستعود من جديد وأن عاصفة ما تقترب.

أستاذ مادة الاقتصاد في جامعة ميونيخ

هانس فيرنر سين