«الكمنجاتي» في فلسطين

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٨/أكتوبر/٢٠١٨ ٠٣:٣٤ ص
«الكمنجاتي» في فلسطين

باميلا كسرواني

ندين نزال، نور أبو ريا، محمد خمايسي، عدي الخطيب، منذر الراعي، هديل أبو عين... أسماء قد لا تعني لكم الكثير إلا أنها أسماء عازفي آلات موسيقية ومطربين يعكسون قصص نجاح «الكمنجاتي» عبر السنوات؛ قصص تظهر كيف حوّلت الموسيقى حياة الشباب والشابات الفلسطينيات وطورت تفكيرهم ونظرتهم للعالم وتحولهم إلى مؤثرين في المشهد الثقافي الفلسطيني.

ليست جمعية «الكمنجاتي» وليدة الأمس لا بل هي ثمرة سنوات من العمل والجهد لتطوير عالم الموسيقى في فلسطين. فيخبرنا مدير «الكمنجاتي» الفلسطينية إياد ستيتي أنها تأسست على يد الفنان رمزي أبو رضوان العام 2002 أثناء متابعة دراسته في فرنسا.

ويضيف «شكّل مجموعة من الموسيقيين وبدأ يزور وينظّم نشاطات في المدارس وفي الأماكن المهمشة في فلسطين لاسيما أنه طفل مهمش من مخيم الأمعري.
أحب التركيز على الموسيقى لاسيما أنها مكلفة وغير متاحة لكل طفل» متابعاً «أراد أن يمتلك جميع الأطفال الموسيقى بغض النظر عن إمكانياتهم المادية».
عام 2008، تطورت الفكرة وبات للجمعية مراكز في رام الله وجنين والأمعري وقلنديا وفي مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة بلبنان حيث تخرج العديد من الموسيقيين ونظمت العروض والمهرجانات في القرى والمناطق المهمشة والمخيمات والأماكن البعيدة حيث الحياة الثقافية غير متطورة.
بعد 16 سنة من العمل، تغير الكثير في ومع «الكمنجاتي». يُطلعنا ستيتي «في البداية، معظم الأساتذة الموسيقيين كانوا أجانب من فرنسا وبلجيكا ومن دول غربية فيما اليوم 90% من الطاقم الأكاديمي فلسطيني محلي ما يضمن استمرار العملية التعليمية خاصة أن موضوع تأشيرات الدخول صعب بسبب الاحتلال».
احتلال يحاول أن يعيق كل شيء، من تخطيط لأي مشروع كبير إلى تنظيم أي فعالية إلا أن «الكمنجاتي» مستمرة بتوسيع برامجها ونشاطاتها وجمهورها على المستوى المحلي وإنما أيضاً خارج الحدود.
وكما ذكرنا، هذه الفكرة التي بدأت على شكل ورش عمل في المخيمات والمدارس تطورت إلى مراكز في عدد من المناطق تقدم برامج مختلفة وتحصل على دعم متعدد. فيقول ستيتي «الكمنجاتي في فرنسا تساعدنا في توفير الآلات بفضل تنظيم حملات لجمع آلات موسيقية مثل الآلات النفخية كالتشيلو والكونتروباس التي يصعب الحصول عليها في فلسطين».
وتوفر «الكمنجاتي» لطلابها في فلسطين عدداً من البرامج. فنبدأ مع البرنامج الأكاديمي الذي يتلقى الطفل خلاله حصصاً على الآلات الموسيقية الفردية وحصص الموسيقى النظرية.
وهذا البرنامج يضم حالياً 500 طالباً في ثمانية مراكز بين لبنان وفلسطين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 15 سنة.
أما البرنامج الثاني، فهو «التذوق الموسيقي» الذي يعلّم الأطفال على تطوير الحس الموسيقي ويعرف الطلاب على الأصوات الطبيعية والأصوات من البيئة المحيطة وغيرها. كما يعلم هذا البرنامج الذي يضم 1700 طالب تقريباً على ثقافة الاستماع والتقدير وكيفية ممارسته بفعالية وكفاءة.
ونتيجة سنوات التعليم الموسيقي، ولِدت العديد من الفرق والمجموعات الموسيقية التي تحظى بفرص العرض والأداء وتشكّل نقطة بداية للطلاب في مشوارهم المهني لاسيما للذين لديهم الرغبة والشغف لاتخاذ الموسيقى مهنةً واحتراف. ومجموعات «الكمنجاتي» المتنوعة مثل أوركسترا رام الله والفرقة الوطنية للموسيقى العربية وفرقة «جدايل» وغيرها تنفذ سنوياً أكثر من 200 عرض ونشاط موسيقي، ويصل جمهورها إلى أكثر من 20000 شخص سنوياً، سواء في الفعاليات المحلية الفلسطينية، وفي عروض موسيقية خارج فلسطين بالإضافة إلى نشاطاتها في لبنان.
كما تنظم «الكمنجاتي» كل عام حلقات عمل صيفية لطلابها في مختلف المواقع حتى يتمكن الطلاب من الاستفادة موسيقياً خلال أيام تدريبية مكثفة يقوم بها الطاقم الأكاديمي للكمنجاتي مع موسيقيين ضيوف من العالم. ولا تعتبر هذه الورش وسيلة لتجعل الطلاب يتطورون بسرعة فقط، وإنما تسمح لهم باكتشاف الموسيقى في أشكال جديدة ومختلفة، وتضيف لهم جواً من المرح والبهجة ضمن حصص فردية وجماعية.
برامج وفعاليات متنوعة يرى ستيتي أنها ساهمت في العديد من الإنجازات. ويكشف لنا «من أهمها هو أننا خرّجنا أساتذة مؤهلين علمياً وأكاديمياً ليُساهموا في إثراء المشهد الثقافي الفلسطيني وعززنا الحالة الثقافية في فلسطين من خلال عدد الموسيقيين الذين تم تعليمهم». ويضيف: «أعتبر أيضاً أن مهرجان الكمنجاتي للموسيقى الروحانية ساهم في تغيير الواقع الموسيقي وتطويره لاسيما أنه مهرجان متخصص وينظم في مدن بعيدة حيث وفّرنا للناس الفرصة لاكتشاف ثقافات جديدة من الهند وبلجيكا ودول أخرى».

إنجازات كثيرة ومشاريع لا تعد ولا تحصى ولا تتوقف حيث تتابع الجوقات والفرق جولاتها الاستعراضية وتنجز الجمعية الكتب والمناهج الموسيقية وتُعدّ مادة أرشيفية لكل الموسيقى التي تعزف في العالم العربي.
ففي النهاية، قد تكون «الكمنجاتي» قد وسعت نشاطاتها وطوّرت أعمالها عبر السنوات إلا أن جوهرها بقي هو هو حيث يقول ستيتي: «أتحنا الفرصة للعديد من الناس أن تكون الموسيقى وسيلة تعبيرهم في الحياة وفتحنا لهم آفاق جديدة ليشاركوا في مهرجانات عالمية؛ أمر يساهم بشكل مباشر في تغيير حياتهم نحو الأفضل وتنمية قدراتهم المعرفية لاسيما أن الموسيقى علم ومعرفة وحس إيقاعي».

متخصصة في الثقافة والموضوعات الاجتماعية والمبادرات