وداعاً للورق

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٢/أكتوبر/٢٠١٨ ٠٣:١٩ ص
وداعاً للورق

د. لميس ضيف

في احتفالها على مرور 60 عاماً على ولادتها ؛ أعلنت صحيفة الأنوار اللبنانية في سطرين أنها ستغلق أبوابها بلا وداع لائق. كان إعلانا حزينا؛ خصوصاً لجيل كان يشعر بالفخر عندما يمسك بمطبوعات «دار الصياد». تزامن ذاك مع وداع مجلة «الشبكة» المجلة الفنية التي صدرت في العام 1959 وكانت «انستغرام» الأيام الخوالي الذي يتابع جيل الطيبين من خلاله صور وقصص الفنانين.. كما وتوقفت مجلة «فيروز» التي كانت تتابع قضايا المرأة وتدربها على الاحتفاء بأنوثتها في الوقت ذاته.

لا أعرف وقع هذه الأخبار عليكم ولكنها أشعرتني بمزيج من الحزن والكآبة. شعرت -بشكل ما- بشعور المسنين عندما يتناهى لمسامعهم خبر وفاة صديق قديم انقطعت أخباره لكن النفس تشعر بالأنس لذكراه والفقد لغيابه. فتلك المطبوعات كانت جزءاً من نشأتي المبكرة، وصاغت بشكل ما وعيي وشخصيتي، فنحن جيل ربته الكلمات لا المشاهد والصور ومقاطع الفيديو. جيل حالم شاعري متواضع.. تزداد غربته يوما بعد يوم في زمن نكاد فيه أن نتحول لآلات أو شكل هجين بين الإنسان والآلة.

القلاع الإعلامية في العالم تتهاوى ولا تجد من يسندها أو يرممها. يبقى في الساحة المدعومون سراً أو جهرا من حزب أو تنظيم أو نظام. من يلعب دوراً في ترسانة صراع ما بين جهتين. من يروج لسلعة أو أشخاص تحولوا لسلع. أما الإعلام الجاد أو المستقل فيلفظ أنفاسه الأخيرة وسط عيون تراقب ولا تمد يد المساعدة.
لا نعرف كم ستصمد الصحافة الورقية الرصينة في عصر تسبح فيه المعلومات والإشاعات مع الغث والسمين في فضاء تحكمه الفوضى. ومع شعوب لا تقرأ. ولكننا نعرف أن نهايتها ستكون بنهاية الأجيال التي عاشت العصر الذهبي للثقافة. وكانوا يعتبرون سيرة أهل الأدب والثقافة والمناضلين قبسا يمشون بنوره.
جزء منا مات بموت تلك المطبوعات. ونتمنى من الحكومات أو رجال الأعمال أن ينقذوا الباقي قبل فوات الأوان. وربما كان لزاما على تلك البيوتات الإعلامية أن تطور نفسها أيضا لتحمي نفسها من ذاك المصير. وليس عليها أن تخترع العجلة لتنجو. بل عليها أن تتلفت لتجارب المطبوعات العالمية الرصينة التي صمدت كالطود أمام رياح الإسفاف. وكيف تقربت من جماهير جديدة. وحافظت على جماهيرها الكلاسيكيين.

lameesdhaif@gmail.com