مسؤولية القطاع العام

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٦/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٤:٠٩ ص
مسؤولية القطاع العام

ماريانا مازوتو

بعد الأزمة العالمية المالية لعام 2008، تم الاتفاق بالإجماع على أن القطاع العام يتحمل مسؤولية التدخل لإنقاذ البنوك الكبرى بشكل منتظم ومسئولية تشجيع النمو الاقتصادي. لكن تبين أن هذا الاتفاق قصير الأمد، وسرعان ما أصبحت تدخلات القطاع العام في الاقتصاد تعد السبب الرئيسي للأزمة، وبالتالي فقد كان لابد أن تتوقف هذه التدخلات، وكان ذلك خطأ فادحاً.

وفي أوروبا، بالخصوص، تعرضت الحكومات لانتقاد شديد بسبب ديونها المرتفعة، حتى ولو كانت ديون القطاع الخاص هي من سبب الانهيار وليست قروض القطاع العام. لقد تلقت العديد من هذه الحكومات تعليمات بتبني سياسة التقشف بدل تشجيع النمو من خلال سياسات معاكسة للدورات الاقتصادية. وفي غضون ذلك، كان من المنتظر أن تواصل الدولة إصلاحاتها على مستوى القطاع المالي، التي من المفترض أن تحيي المنافسة إن اجتمعت مع رجوع الاستثمار والصناعة. لكن، بصراحة، أنجزت القليل فقط من الإصلاحات في القطاع المالي، وفي العديد من الدول، لم تسترجع الصناعة قواها بعد. وبينما تحسنت الأرباح في العديد من القطاعات، يبقى معدل الاستثمار ضعيفا، نظرا لتكديس الأموال وارتفاع مستوى الأموَلة، كما أن معدل إعادة شراء الأسهم- للنهوض بسعر المخزونات وبالتالي خيار الاكتتاب في الأسهم- وصل إلى أعلى مستوياته.
وهذا راجع إلى سبب بسيط: سُمح للحكومة التي تعرضت لانتقادات كثيرة بالردّ من خلال وضع سياسات خجولة فقط. ويعكس هذا الفشل إلى أي مدى تتحكم الإيديولوجيات في السياسة خاصة الليبرالية الجديدة التي تفضل أن يكون تدخل الدولة في الاقتصاد في أقل مستوياته ونظرية «الخيار العام» التي تبرز عيوب الحكومة بدل التجربة التاريخية.
ويحتاج النمو لقطاع مالي يعمل بشكل صحيح، وتُكافأ فيه الاستثمارات البعيدة الأمد بدل تلك القصيرة الأمد. ومع ذلك، ففي أوروبا، ظهرت ضريبة المعاملات المالية في العام 2016 فقط، وبقي ما يسمى بـ»المالية الصبورة» دون المستوى المطلوب في كل مكان تقريبا. وبالتالي، تدفقت الأموال التي ضُخت في الاقتصاد عبر،لِنَقُل، التيسير النقدي، في البنوك.
إن هيمنة التفكير القصير الأمد يعكس حالات سوء الفهم الأساسية فيما يتعلق بالدور الاقتصادي الصحيح للدولة. وعلى عكس الإجماع الذي ظهر بعد الأزمة فإن الاستثمار الاستراتيجي الفعال للقطاع العام ضروري لتحقيق النمو. وهذا هو السبب وراء تمكين الدولة للثورات التكنولوجية الكبرى، سواء في الطب أو الحواسيب أو الطاقة بصفتها أول المستثمرين.
ورغم ذلك لا زلنا نمدح القطاعات الخاصة في الصناعات الإبداعية، متجاهلين اعتمادها على استثمارات القطاع العام. فعلى سبيل المثال، لم يتلق إيلون مسكاً من الحكومة الأمريكية إعانات مالية تتجاوز قيمتها 5 بلايين دولار فحسْب، بل إن شركتيه سبيس إكس وتِسلا اعتمدتا بشكل أساسي على عمل النازا ووزارة الطاقة على التوالي.
إن السبيل الوحيد لاسترجاع اقتصاداتنا بشكل كامل هو أن يلعب القطاع العام دوره الرئيسي من جديد،أي دور المستثمر الاستراتيجي والطويل الأمد ذو ميول نحو تنفيذ المهام. ولبلوغ هذا الهدف، من الضروري تكذيب الروايات الزائفة حول طرق خلق القيمة والثراء.
إن الاعتقاد السائد هو أن الدولة تسهل بناء الثراء (وتعيد توزيع ما تم خلقه)، لكنها لا تخلق الثراء في الحقيقة. وفي المقابل، يعد القادة في مجال الأعمال عناصر اقتصادية منتجة- فكرة استعملت من طرف البعض لتبرير تزايد اللامساواة. وهذا راجع لكون الأنشطة التجارية (الجزافية في أغلب الأحيان) توجد الثراء، وبالتالي فرص الشغل، إذا فقادتها يستحقون أجورا مرتفعة. وتؤدي مثل هذه الاعتقادات أيضاً إلى الاستعمال الخاطئ لبراءات الاختراع التي عرقلت الإبداع خلال العقود الأخيرة بدل تحفيزه. وهذا راجع لكون المحاكم الصديقة لبراءات الاختراع سمحت باستعمالها على نطاق واسع، مما أدى إلى خصخصة أدوات البحث، بدلا من الحصائل النهائية.
لو كانت هذه الاعتقادات صحيحة لرفعت الحوافز الضريبية من معدل الاستثمارات التجارية. وعوض هذا، تسبب هذه الحوافز- نذكر على سبيل المثال، قانون التخفيضات الضريبية على الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية الذي أصدر في ديسمبر 2017- انخفاضاً في مداخيل الحكومة، بشكل عام، وتساعد الشركاتَ على تحقيق أعلى المستويات في الأرباح، بينما تنتج استثمارا خاصا ضئيلا.
ولا ينبغي أن يكون هذا أمرا صادما. ففي العام 2011، أشار وارن بوفيت إلى أن ضرائب أرباح رأس المال لا تمنع المستثمرين من الاستثمار ولا تقلص من فرص الشغل، حيث قال « لقد تمت إضافة 40 مليون فرصة عمل في الفترة ما بين 1980 و2000». ثم أضاف قائلا: «وأنتم تعلمون ماذا حصل منذ ذلك الوقت: انخفضت المعدلات الضريبية وأصبح مستوى خلق فرص الشغل أدنى بكثير».
وتتعارض هذه الأحداث مع الاعتقادات التي انتجتها ما يسمى بالثورة الهامشية في التفكير الاقتصادي، عندما استبدلت النظرية التقليدية لقيمة العمل بنظرية قيمة أسعار الأسواق غير الموضوعية. وبخلاصة، نعتقد أنه طالما تُذِر منظمة أو نشاط تجاري ما دخلا معينا، فهي قادرة على خلق القيمة.
ويكرس هذا الفكرة التي تبرر اللامساواة والتي تكمن في أن من يربح كثيرا يخلق قيمة أكبر. وهذا ما جعل غولدمان ساتش، المدير التنفيذي لليود بلانكفين يتجرأ ويعلن في العام 2009 أي بعد مرور عام فقط على الأزمة التي ساهم بنكه في اندلاعها، أن موظفيه كانوا من بين» أكثر العمال المنتجين في العالم». ولهذا السبب أيضا، تستعمل الشركات المتخصصة في صنع الأدوية «التسعيرة المبنية على القيمة» دون تعرضها للمحاسبة لتبرر الارتفاع المهول لأسعار الأدوية، رغم أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية تنفق أكثر من 32 بليون دولار سنويا على المراحل الخطيرة جدا في عملية إنتاج هذه الأدوية.
عندما تحدد القيمة بناء على آليات العرض والطلب للسوق بدلا من اعتماد معايير قياسية خاصة، «فمن سيحدد القيمة هو من يلاحظها» وسيكون هناك خلط بين الإيجار «دخل غير مكتسب بالعمل» والأرباح «مداخيل مكتسبة» وسيرتفع مستوى اللامساواة وستنهار الاستثمارات في الاقتصاد الحقيقي. وعندما تصنع المواقف الأيدولوجية الفاسدة بشأن كيفية إيجاد القيمة في اقتصاد معين السياسة، فسينتج عن ذلك إجراءات تكافئ بدون قصد كل ما هو قصير الأمد وتحد من الإبداع.
وبعد مرور 10 سنوات عن الأزمة، لا زالت الحاجة إلى معالجة الضعف الاقتصادي المستمر أمرا قائما. وهذا يعني، أولا وقبل كل شيء، الموافقة على تحديد القيمة بشكل جماعي من طرف الشركات والعمال والمؤسسات العمومية الاستراتيجية ومنظمات المجتمع المدني. إن الطريقة التي تتفاعل بها هذه العوامل المختلفة لا تحدد فقط معدل النمو الاقتصادي بل تحدد أيضا إذا ما كان النمو مبنيا على الإبداع وشاملا ومستداما. إن الاعتراف بضرورة أن يكون اهتمام السياسة بتشكيل الأسواق وبنائها بشراكة بِقَدر اهتمامها بإنقاذ هذه الأسواق عندما تقع في مأزق، هو السبيل الوحيد لوضع حد للأزمة.

أستاذة في اقتصاديات الابتكار والقيمة العامة ومديرة معهد الابتكار والأغراض العامة في جامعة لندن.