إلى من يهمه أمر ضريبة القيمة المضافة: تحية اقتصادية طيبة.. وبعد..

مؤشر الثلاثاء ١٨/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٣:٥٣ ص
إلى من يهمه أمر ضريبة القيمة المضافة:
تحية اقتصادية طيبة.. وبعد..

د. صالح بن سعيد مسن

ينطلق البناء النظري لأهمية الضريبة في الاقتصاد من ثلاثة أهداف رئيسية وهي أهداف مالية واقتصادية واجتماعية. الهدف المالي يتمثل في تحقيقها إيرادات عامة لخزينة الدولة لتأمين النفقات الحكومية وتغطية العجز. الهدف الثاني للضريبة ينطلق من دورها في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، حيث تُوظف الإيرادات الضريبية لتأمين الخدمات الاجتماعية بكلفة أقل، وإعادة توزيع الدخل بطريقة عادلة لتقليص التفاوت في الدخل بين طبقات المجتمع لأن اتساع فجوة الدخل تؤثر سلباً على أداء الاقتصاد الكلي.

أما الهدف الثالث فيرتكز على الوظيفة الاقتصادية للضريبة من خلال استخدامها كأحد أدوات السياسة المالية للدولة (Instruments of Fiscal Policy) من أجل تحفيز النمو أو الحد من مستويات التضخم.

يعتقد أنصار المدرسة الكينيزية أن استخدام الضريبة كأداة مالية يجب أن يكون معاكساً للدورة الاقتصادية بحيث يتم تخفيض الضريبة في حالات الركود لتوسيع هامش الربح للمؤسسات التجارية مما يحفز مستويات العرض والطلب الكلي فيتم تنشيط الاقتصاد وفِي حالة التوسع تستخدم الضريبة كأداة لكبح حالة التوسع والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي.

أداة مالية

أهمية الضريبة كأداة مالية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ومورد مستدام للخزينة العامة يحسن من المركز المالي للدولة ويحقق الاستدامة المالية للموازنة العامة موضع إجماع في معظم الأدبيات الاقتصادية وبما أن الدول الريعية تعاني في الغالب من عدم الاستقرار الاقتصادي نتيجة التذبذب الكبير في أسعار النفط فإن الضرائب كمورد مستدام قد يقلل من تعرضها للهزات الاقتصادية الخارجية.
وإذا تفحصنا الإيرادات العامة للسلطنة خلال الخمس سنوات الماضية، سنلاحظ تراجع الإيرادات النفطية من 10.2 بليون ريال في العام 2014 الى حوالي 4.8 بليون ريال حسب ميزانية العام 2018، في المقابل ظلت الإيرادات الضريبية تراوح مكانها لترتفع بشكل طفيف من 1.08 بليون ريال في العام 2014 الى 1.4 بليون ريال في 2018، وهذا يعني أن التحسن المتواضع في الإيرادات الضريبية غير كافي لتعويض التراجع الكبير في الإيرادات النفطية.
بالإضافة إلى ذلك فإن الجهد الضريبي ما زال منخفضاً حيث بلغ متوسط نسبة الإيرادات الضريبية الى الناتج المحلى الإجمالي للسلطنة حوالي 4 % مما يؤكد أهمية إجراء إصلاح ضريبي شامل.
لكن السؤال الأهم يدور حول المنهجية الأنسب لإجراء إصلاحات اقتصادية لدول الرفاه الاجتماعي التي ظلت لسنوات طويلة منذ نشأة دولها لم تعرف شعوبها الضرائب بل تنظر للضريبة بريبة شديدة كأنها مكون غريب غير مرغوب فيه.

الحكمة الاقتصادية

من المتعارف عليه أن جميع المجتمعات تنفر من الضرائب ولذلك من الحكمة الاقتصادية للدول التي لم تتعود مجتمعاتها على الضريبة أن تبدأ مشوارها الضريبي بالشروع في الضريبة التي تكون أقل تكلفة اقتصادية وأكثر عدالة اجتماعية وتلقى قبولاً عاماً من غالبية المجتمع لأن التوافق المجتمعي مع الإصلاحات الاقتصادية مطلب رئيسي لنجاح أي سياسة اقتصادية. ومن هنا تأتي أهمية ملاءمة السياسة الضريبية لطبيعة الاقتصاد، فالضرائب تمثل بالنسبة للحكومة أهم مصدر للإيرادات وتمثل للمواطنين عبئًا كبيرًا يثقل كاهلهم. لذا فتحديد نوعية ونسبة الضريبة التي ينبغي جبايتها أمر مهم جداً في حفظ التوازن الاقتصادي لأي بلد.
إن بناء أي نظام ضريبي لابد أن يأخذ في الاعتبار طبيعة وهيكل الاقتصاد وتحديد الطاقة الضريبية على ضوء حجم الدخل القومي وطريقه توزيعه والتركيب النوعي والعددي للبنية الاقتصادية. كما أنه من الأهمية بمكان تحديد السياسة الضريبية المثلى التي تتناسب مع واقع الاقتصاد وتحديات المرحلة وأولوياتها.
فهل من المناسب تقديم نظام متكامل للضرائب وإعادة هندسة منظومة الضرائب والرسوم بناءً على تقييم مردودية كل ضريبة على حده من خلال عدة مؤشرات تتمثل في تطور الحصيلة الضريبية وقياس مستوى الضغط الضريبي، ومقارنة الإنجازات الفعلية مع التقديرات ومعرفة التأثيرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية لكل نوع من أنواع الضرائب منفردة ومن ثم مجتمعة؟ أم الأجدى تقديم حلول مجتزئة وفرض شريحة واحدة من الضرائب بشكل منفرد؟ في الواقع تشير بعض الدراسات العلمية أن تقديم حزمة إصلاحات اقتصادية متكاملة تأخذ في الحسبان التوازن بين تحقيق الإيرادات المالية والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية من خلال سياسة ضريبية معتدلة هي الأصلح للكثير من الدول النامية التي تقوم بإصلاحات اقتصادية لتنويع مصادر دخلها والحفاظ على نموها الاقتصادي بنسب ثابتة.

الأثر الضريبي والإيراد المالي

فلا يمكن تحقيق التوازن بين الأثر الضريبي والإيراد المالي المتحصل إلا من خلال منظومة ضريبية مكتملة فما تحدثه ضريبة الاستهلاك من أثر سلبي على أصحاب الدخول المتدنية يمكن معالجته من خلال تدوير الحصيلة الضريبية لضريبة الدخل لصالح هذه الطبقة الاجتماعية ليتم إعادة توزيع الدخل بطريقة عادلة وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي وفي الوقت نفسه يتم تحقيق هدف تنويع الأوعية الضريبية وزيادة حجم الإيرادات العامة.
وإذا سلمنا جدلاً بصعوبة الإصلاح الكلي للهيكل الضريبي وأخذنا بمبدأ الإصلاح الجزئي من خلال تطبيق شريحة واحدة من الضرائب فالسؤال المطروح: ما هي الضريبة التي تتناسب مع طبيعة الهيكل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للسلطنة؟ وما هو التوقيت الأمثل للشروع في مثل هذا النوع من الضرائب دون أن تكون لها تأثيرات سلبية عميقة على الاقتصاد؟ بالتحديد هل يمكن اعتبار تطبيق ضريبة القيمة المضافة هي المدخل المناسب للإصلاح الضريبي في سلطنة عمان؟ وما هي البدائل الأخرى المناسبة؟ وما هي الاشتراطات المطلوبة حتى لا يؤدي إقرار ضريبة القيمة المضافة سبباً في ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة للسواد الأعظم من السكان وارتفاع تكلفة الإنتاج مما يؤثر سلباً على بيئة الأعمال والاستثمار.
لا شك أن معايير المفاضلة بين هذه البدائل تكمن في طبيعة الاقتصاد الوطني وما هي المرحلة التي يمر بها الاقتصاد من ركود وانتعاش؟ ما هو حجم تأثير هذه الضرائب على الطبقة الوسطى التي تعتبر صِمَام الأمان لكل اقتصاد؟
ما هي الضريبة التي تلعب دور أكبر في تقليص حجم التفاوت في الدخل بين طبقات المجتمع والتي يتم حسابه من خلال مؤشر اقتصادي يعرف بمعامل جيني لقياس التفاوت في مستويات الدخل بين الطبقات الاجتماعية؟ من خلال الموازنة بين جميع هذه المعايير والمؤشرات يمكن المفاضلة بين حجم التكاليف والعوائد الاقتصادية لكل شريحة ضريبية والوصول إلى خلاصة مستندة على أرقام إحصائية دقيقة حول الضريبة الأمثل والتوقيت الأنسب لفرض الضريبة.
لذلك فإن عملية اختيار أفضل البدائل هي المعادلة الأهم في مثل هذه الحالة وليس المردود المالي الآني الذي قد تكون أضراره أكبر على المدى الطويل.
وللتعرف عن قرب على تأثيرات ضريبة القيمة المضافة على الاقتصاد العماني، لا بد من التطرق إلى أهم خصائص وملامح ضريبة القيمة المضافة بشكل مبسط.

ضريبة القيمة المضافة

تعرف ضريبة القيمة المضافة على انها ضريبة استهلاك تفرض في كل مرحلة من مراحل سلسلة الإنتاج حتى الشكل النهائي للسلعة أو الخدمة، وبالتالي فهي متعددة المراحل، وهي تمكن المنشآت من استرداد قيمة الضريبة المدفوعة سابقا، ومصممة بحيث يكون المستهلك النهائي هو من يدفع الضريبة لكن سدادها يتم عبر من يورد السلعة في كل مرحلة.
من المتعارف عليه أن ضريبة القيمة المضافة غير عادلة اقتصادياً فهي تساوي بين أصحاب الدخول المرتفعة والمتدنية، فهي تفرض على السلع والخدمات في جميع مراحلها المختلفة في الإنتاج والتوزيع دون أن يكون هناك مراعاة لفئة اجتماعية بعينها فالجميع مطالب بدفع نفس الضريبة على الخدمة أو السلعة المشتراة.
تشير ورقة بحثية صادرة عن معهد التخطيط القومي بمصر بعنوان «الانتقال من الضريبة العامة على المبيعات إلى الضريبة على القيمة المضافة في مصر» إن ميل الفرد للاستهلاك يتجه للانخفاض مع ارتفاع مستوى دخله، بمعنى أن الأقل دخلاً ينفقون على الاستهلاك نسبة أكبر من دخولهم بالقياس إلى الأعلى دخلاً، لذلك يقع عبء ضريبة القيمة المضافة كنسبة من الدخل بدرجة أكبر على أصحاب الدخول المتدنية كون حجم الضريبة المحصلة تشكل نسبة كبيرة من مداخيلهم مقارنة بأصحاب الدخول المرتفعة.
بينما تعد الضريبة التصاعدية على الدخل على أنها أداة لإعادة توزيع الدخل في المجتمع، وبالتالي فالتوسع فيها يحقق درجة أكبر من العدالة الاجتماعية.
ليس هناك إحصاءات دقيقة توضح حجم ومستوى الدخل لكل طبقة اجتماعية بالسلطنة ولكن تجربة دعم الوقود تشير إلى أن هناك شرائح واسعة من المجتمع العماني قد سجلت ضمن برنامج الدعم الوطني وهذا يدلل بأن هناك عددا كبيرا من المواطنين لا يتعدى متوسط دخله الشهري مبلغ 500 ريال.

إحصاءات وطنية

كما تشير الإحصاءات الوطنية أن 60 % من موظفي القطاع العام والخاص تتراوح رواتبهم بين 325 و600 ر.ع مما يعني أن النسبة الأكبر من الموظفين يمكن تصنيفهم ضمن فئة الدخول المتدنية والتي ستضرر بشكل أكبر من غيرها جراء تطبيق ضريبة القيمة المضافة.
في هذه الحالة فإن الوظيفة الاجتماعية للضريبة لا يمكن تحقيقها من خلال ضريبة القيمة المضافة والتي من الواضح أن العبء الأكبر منها سيقع على أصحاب الدخول المتدنية والتي تشكل شريحة كبيرة من المجتمع، بالإضافة إلى ذلك ليس هناك أوعية ضريبية أخرى تم استحداثها ليتم تدويرها لصالح هذه الفئة من المجتمع لتعويض الأثر السلبي الذي تحدثه ضريبة القيمة المضافة.
أحد مرتكزات السياسة الضريبية الأخذ في الحسبان الأوضاع الاقتصادية السائدة. الاقتصاد العماني كباقي اقتصاديات دول مجلس التعاون يعاني من عدة مشكلات اقتصادية بعضها هيكلية تستدعي حلولاً جذرية طويلة المدى والبعض الآخر مالية تتمثل في تراجع الإيرادات النفطية خلال الخمس سنوات الفائتة لأكثر من 60 % مما أدى إلى تراجع شديد في الإنفاق العام (المحرك الرئيسي للاقتصاد). وهذا التراجع في الإيرادات دفع الحكومة أيضاً إلى تعديل أسعار الوقود ورفع الدعم عن تعرفة الكهرباء للاستخدامات غير السكنية، وزيادة رسوم بعض الأنشطة التجارية وتجميد التوظيف في القطاع العام ووقف الترقيات وجميع هذه الإجراءات التي لم يجد صانع القرار مفر منها تأثر بها القطاع الخاص والمواطن على حد سواء.
مما يعني أن فرض ضرائب جديدة في ظل هذه الظروف الحالية سيضيف مزيداً من الأعباء على الاقتصاد في الوقت الذي يفترض فيه أن تقدم حزمة من المحفزات الاقتصادية للمستثمرين وتخفيف الضغوط على الطبقة الوسطى (المحرك الرئيسي للاستهلاك الكلي) كي يتم إنعاش الاقتصاد وليس تثبيطه.
ومن هنا فإن الوظيفة الاقتصادية للضريبة كأحد أدوات السياسة المالية تستوجب أن تكون الضريبة معاكسة للدورة الاقتصادية بحيث يتم تخفيض العبء الضريبي من أجل تحفيز الإنفاق مما سيؤدي بالتالي إلى زيادة الإنتاج وما يتبعه من زيادة في الاستثمار والتوظيف على المدى البعيد وبالتالي إعادة التوازن إلى الأسواق حسب النظرية الكينيزية.
لذلك فإن التوقيت الحالي غير مناسب تماماً لفرض ضرائب جديدة وقد يكون من الأصلح تأجيل هذه الضريبة لعدة سنوات حتى تكتمل الدورة الاقتصادية ويبدأ الاقتصاد بالتعافي التدريجي والعودة إلى مرحلة الرواج الاقتصادي.

انخفاض الإستهلاك وارتفاع التضخم

من المتعارف عليه أن ضريبة الاستهلاك (ضريبة القيمة المضافة) على السلع تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع وبالتالي انخفاض الطلب عليها والتقليل من استهلاكها. كما تؤكد النظرية الاقتصادية أيضاً أن الضريبة تقلل من معدل الضريبة الحدي مما يخفض من ساعات العمل الإنتاجية وبالتالي انخفاض الدخل الكلي.
ولهذا فإن المعادلة الاقتصادية في هذا الشأن تفيد بأن تطبيق ضريبة القيمة المضافة سوف تؤدي إلى تحجيم الطبقة الوسطى مما سيخفض حجم الاستهلاك الكلي وكذلك تتقلص فجوة الناتج المحلي الإجمالي مما سيؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي على المدى البعيد وتتعمق حالة الركود الحالي.
التقديرات الاقتصادية لبعض التجارب الدولية تشير أن حجم الانخفاض في الاستهلاك الكلي قد يتراوح من 3-4 % إذا زادت ضريبة القيمة المضافة بمعدل 5 %. بالإضافة إلى ذلك فمن المعلوم أن ضريبة القيمة المضافة تؤثر على المستوى العام للأسعار أكثر مع غيرها من الضرائب مما ينتج عنها ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية بعد زيادة أسعار السلع والخدمات ولكن هذه الموجة التضخمية قد تكون مؤقتة.
ولكن الخطورة تكمن في ترافق هذه الموجة التضخمية مع حالة الركود الاقتصادي المتوقعة أعلاه ولذلك فإن المحصلة النهائية لهذا النوع من الضرائب قد تؤدي بالاقتصاد للتدحرج إلى الركود التضخمي ((Stagflation وهي أسوأ حالة اقتصادية يمكن أن يعاني منها أي اقتصاد في العالم حيث يحتاج الاقتصاد لفترة زمنية أطول للخروج من الركود ومعاودة النشاط الاقتصادي من جديد.

بيئة الأعمال والإستثمار

بالرغم من تحديات انخفاض أسعار النفط عالمياً فإنه بالإمكان تسريع وتيرة النمو والدفع بعملية التنويع الاقتصادي من خلال جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى قطاعات حيوية تسهم في زيادة الإنتاج وتعمل على تقليل عدد الباحثين عن عمل، وهذا لا يتأتى إلا بتطوير السياسات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار ورفع تنافسية الاقتصاد العماني لتشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي للدخول في مشروعات حيوية تؤدي الى تسريع النمو الاقتصادي وتحسين المستوى العام للمعيشة وفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الوطني.
حالياً يعانى قطاع الأعمال من ارتفاع التكلفة وصعوبات عديدة في توظيف الباحثين عن عمل، ومع إقرار ضريبة القيمة المضافة سينخفض مؤشر أداء الضريبة ضمن مؤشرات أداء الأعمال في تقارير التنافسية العالمية، مما سيصعب من جذب الاستثمارات الخارجية.
وفى إطار خطط التنويع الاقتصادي، تعول السلطنة كذلك على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن تلعب دوراً محورياً في توظيف الباحثين عن العمل وتوفير السلع والخدمات.
النتيجة المؤكدة هي أن الدول التي انتهجت استراتيجيات وسياسات توفير التمويل وتسهيل الحصول على مدخلات الإنتاج وتقديم تسهيلات تخفيض الرسوم والضرائب وتحسين بيئة أداء الأعمال بشكل عام هي التي تمكنت من الاستفادة من فرص هذا القطاع الرائد وتم تطويره ليصبح اكثر تنافسية في السوق العالمي، وفي المقابل الدول التي لم تهتم بمشاكل وتحديات هذا القطاع لم تتمكن من بناء وتطوير اقتصادياتها للمنافسة عالميا.
بالنسبة للسلطنة فقد تمت مراعاة الشركات الصغيرة والمتوسطة لتكون ضريبة SMEs في حدود 3 % وإلغاء الحد الأدنى المسموح به سابقا 30 ألف ريال، ورفع نسبة الضرائب على الشركات الكبرى من 12 % الى 15 % اعتباراً من 19 فبراير 2018.
نسبة الضريبة على SMEs معقولة لكن الزيادة على الشركات الكبيرة ستؤدي إلى نقل الضريبة الى الشركات الأصغر عن طريق رفع الأسعار لشركات التجزئة.
كما أن زيادة رسوم الخدمات لمعظم الأنشطة التجارية خلال الفترة الأخيرة دون أن يقابل ذلك تحسين جودة الخدمة أو تسهيل في منظومة الإجراءات سيؤدي إلى ارتفاع كبير في تكلفة الإنتاج واضطرار كثير من الشركات للخروج من السوق.
في المجمل فإنه نظراً للمنافسة الاقتصادية وصعوبات الوصول إلى الأسواق الخارجية وتحديات انخفاض تنافسية المنتجات العمانية في الأسواق العالمية، يخشى أن تؤدي ضريبة القيمة المضافة الى إيجاد مزيد من المعوقات وأن تكون البيئة طاردة للمستثمرين وإغلاق الكثير من المؤسسات وبالتالي مزيداً من التراجع في معدلات النمو الاقتصادي.
وهذا سينعكس سلباً على مستوى توفير السلع والخدمات من ناحية ويقلل من فرص توظيف الباحثين عن العمل من ناحية أخرى.

حجم الإيرادات المالية المتوقعة

أمام جميع هذه التأثيرات السلبية لضريبة القيمة المضافة فإن العنصر الوحيد الذي قد يكون محفزاً لتطبيقها هو الإيراد المالي المتوقع لهذه الضريبة، ولذلك من المهم جداً تقدير حجم الإيرادات المالية المتوقعة من تطبيق ضريبة القيمة المضافة ليتم مقارنتها مع حجم التكاليف الاقتصادية لهذه الضريبة.
في الدول ذات الدخل المنخفض لا تحقق ضريبة القيمة المضافة هدفها، بينما في الدول ذات مستوى الدخل العالي تحقق الضريبة أهدافها الإيرادية، لان الضريبة مرتبطة بالاستهلاك والاستهلاك يعتمد على الدخل.
وبالتالي لا يجب ان ينظر لضريبة القيمة المضافة في إطار إقليمي ما لم يكون هناك تقارب في مستويات الدخل.
وقد قدر تقرير لصندوق النقد الدولي في ديسمبر الفائت أن ضريبة القيمة المضافة في دول مجلس التعاون الخليجي ستولد إيرادات إضافية في حدود 1.5 – 3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي الغير نفطي.

وبناءً على هذه المعادلة التقريبية فإن تطبيق ضريبة القيمة المضافة في السلطنة بمعدل 5 % يتوقع أن تحقق 303 مليون ريال عماني سنوياً.
لا شك أن هذا الإيراد المالي متواضع جداً ولا يفي بالغرض من تطبيق هذه الضريبة من حيث زيادة الإيرادات العامة أو تغطية العجز وسداد الدين العام حيث يشكل هذا الرقم حوالى 3.1 % من إجمالي الإيرادات ويغطي فقط 8.6 % من متوسط العجز السنوي وفي نفس الوقت لا يمثل سوى 1.7 % من العجز التراكمي للخمسة سنوات الفائتة والذي يصل 17.6 بليون ريال عماني.
إذن في نهاية هذا المقال نستطيع القول أن الوضع الاقتصادي الكلى وأداء الميزانية العامة للدولة يحتم ضرورة إجراء إصلاح ضريبي في إطار برنامج التنويع الاقتصادي، ولكن ضريبة القيمة المضافة لتعقيداتها وتأثيراتها السلبية على أصحاب الدخول المتدنية وما ينتج عنها من انخفاض في الاستهلاك الكلي والناتج المحلي الإجمالي وارتفاع التضخم وتأثيراتها على بيئة الأعمال والاستثمار وخطورة دخول الاقتصاد في مرحلة الركود التضخمي وبالتالي تأثر سوق العمل وحجم الوظائف يؤكد لنا أن ضريبة القيمة المضافة ليست مناسبة لطبيعة الاقتصاد العماني في الوضع الراهن وبالتالي لابد من التفكير في بدائل أخرى.

تراجع الرفاه

ومن الأهمية بمكان أن نشير في هذا الصدد إلى ورقة علمية للباحثين بالمعهد العربي للتخطيط بالكويت رزاق وبلقاسم العباس بعنوان «الضرائب، الموارد الطبيعية، وعرض العمل» وضعوا خلالها نمذجة اقتصادية للتنبؤ بمعدل التحسن في مستوى الرفاه المعيشي في دول الخليج العربي تحت تأثير سيناريوهات التنويع الاقتصادي وسياسة رفع الضرائب.
وقد خلصوا في بحثهم إلى نتيجة مفادها أن تطبيق ضريبة القيمة المضافة في السلطنة بمقدار 5 % سوف تؤدي إلى تراجع مستوى الرفاه بمقدار 3.7 % في حين أن التقدم خطوات في برنامج التنويع الاقتصادي سوف حسن من مستوى الرفاه المعيشي في السلطنة بما يزيد على 13 %. ولهذا وبناءً على جميع ما سبق فإن النصيحة الاقتصادية التي يمكن تقديمها في هذا الشأن هو تأجيل هذه الضريبة لسنوات قادمة إلى حين حدوث انعطافة في دورة الاقتصاد الكلية والنظر في البدائل الأخرى والتي يأتي على رأسها الدفع بعملية التنويع الاقتصادي وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والعمل تحسين بيئة الأعمال والاستثمار لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في القطاعات التي تمتلك السلطنة فيها مزايا نسبية.

اللجنة الاقتصادية

في مجال البحث العلمي لا يستطيع أحد أن يحتكر لنفسه الحقيقة الكاملة فكل منهجية علمية تحتمل الخطأ والصواب وأعترف في هذا الشأن أني قد جانبت الصواب في بعض توقعاتي لمستقبل الاقتصاد العماني مع بداية الأزمة الاقتصادية وكان التعاطي الحكومي مع بعض مجريات الأزمة هو الأقرب للصواب.
لقد حرصت في هذا المقال أن أكون محايداً وأعزل نفسي عن التأثير العاطفي للمجتمع الذي أمثله بصفتي عضو في مجلس الشورى وفي الوقت ذاته لم أتناسى دور المسؤول الحكومي المنهمك في قراءة المؤشرات الاقتصادية غير المريحة وذلك حتى أخرج بطرح متوازن.
ومع ذلك فإن القناعة العلمية للكاتب تؤثر بشكل أو بآخر في منهجية التحليل مع يقيني التام أن الوطن هو الملهم الأول والأخير لمنطقية الطرح.
هذا المسلك المتوازن هو المنهجية العملية التي سارت عليها اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى طيلة الثلاث سنوات الماضية.
لقد سعيت وجميع زملائي في اللجنة الاقتصادية أن نكون عنصر تكامل ضمن منظومة العمل الوطني وليس مصدر إزعاج للحكومة لإيماننا العميق أن المرحلة الحالية تحتاج إلى الهدوء والتروي ولإدراكنا أن صانع القرار الاقتصادي في ظل الأزمات الاقتصادية يقع بين مطرقة المطالب المجتمعية وسندان المؤشرات الاقتصادية المزعجة مما يصعب من عملية صنع القرار.
ولهذا فقد سعينا من منطلق المصلحة الوطنية إلى تحمل الكثير من ضغوطات الرأي العام من جانب وتجاوز مناكفات أعداء النجاح وتربصات متقنصي الهفوات الذين يحيطون بنا من كل جانب.
ومع كل ما نتحمله من مشاق ومتاعب فإن سفينة اللجنة الاقتصادية تمضي بكل حكمة وثبات مقدمة المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار وواضعة نصب عينيها خدمة هذا الوطن الغالي وقائده الملهم وشعبه النبيل والله وحده هو الهادي والموفق إلى سواء السبيل.

د.صالح بن سعيد مسن
رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى