x

حالة اليورو الغامضة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٦/أغسطس/٢٠١٨ ٠٠:٤٢ ص
حالة اليورو الغامضة

هانز فيرنر سِن

في مايو 1998، تم تطبيق معدلات تحويل للعملات غير قابلة للنقض التي سيتم دمجها في اليورو. بمعنى أن هذا جعل العملة الموحّدة تبلغ من العمر أكثر من 20 سنة اليوم. كان العقد الأول من حياتها بمثابة حقبة ازدهار، لا سيما في جنوب أوروبا، لكن العقد الثاني جلب المخلفات المحتومة. الآن، ونحن ندخل العقد الثالث، يبدو المزاج السائد هو واحد من التطرف السياسي المتزايد. كان العقد الأول بمثابة فترة سارّة من الائتمان الرخيص، الذي أصدرته أسواق رأس المال بسخاء لبلدان جنوب أوروبا تحت حماية اليورو. لفترة من الوقت، كانت هذه البلدان تملك في النهاية أموالاً كافية لرفع رواتب ومعاشات القطاع العام، فضلاً عن تحفيز الاستهلاك والاستثمار الخاصين. لكن الفيضان في الائتمان في هذه البلدان أوجد فقاعات تضخمية، انفجرت عندما انتشرت الأزمة المالية في الولايات المتحدة العام 2008 إلى أوروبا. وبينما رفضت أسواق رأس المال تقديم المزيد من الائتمان، سرعان ما تعثرت اقتصادات أوروبا الجنوبية التي كانت تتميّز بنوع من التنافسية في السابق ولكنها أصبحت الآن باهظة التكاليف. كان رد الأوروبيين الجنوبيين هو البدء في طباعة العملة بعدما لم يعد بإمكانهم الاقتراض. بمساعدة من البنك المركزي الأوروبي -الذي خفّف سياسة الضمانات لإعادة تمويل الائتمانات وزاد من تسامحها مع مساعدات السيولة الطارئة والائتمانات بموجب اتفاقية الأصول المالية- سحبوا مئات البلايين من اليورو من النظام النقدي من خلال ما يُسمّى «هدف السحب على المكشوف». واعتبارا من العام 2010 فصاعدا، كانوا هم المستفيدون من برنامج الإنقاذ المالي في الاتحاد الأوروبي. ولكن، نظرا لأن الأسواق المالية نظرت إلى برنامج الإنقاذ هذا على أنه غير كاف، أصدر البنك المركزي الأوروبي في العام 2012 وعداً بتغطية السندات الحكومية غير المحدودة التابعة للدول الأعضاء بموجب برنامج «المعاملات النقدية الصريحة»، مما جعلها في شكل روابط فعلية باليورو.

وأخيرا، في العام 2015، أطلق البنك المركزي الأوروبي برنامجه للتخفيف الكمي، حيث اشترت البنوك المركزية للدول الأعضاء 2.4 بليون يورو (2.8 بليون دولار) من الأوراق المالية، بما في ذلك 2 بليون يورو من السندات الحكومية. وبناءً على ذلك، نمت القاعدة النقدية لمنطقة اليورو بشكل كبير، من 1.2 تريليون يورو إلى أكثر من 3 تريليونات يورو.
وبدلاً من استخدام الأموال الإضافية لتنمية اقتصاداتها المحلية، استخدمتها بلدان جنوب أوروبا لتنفيذ أوامر الدفع إلى ألمانيا. لقد أجبروا البنك المركزي الألماني على اعتماد شراء السلع والخدمات والعقارات وحصص الشركات، بل وحتى الشركات بأكملها -أو على الأقل، على حساب تعبئة الحسابات البنكية في ألمانيا التي ستكون متاحة بسهولة لشراء الأصول في حالة وجود خطر انهيار اليورو. وتعتبر مشتريات السلع والخدمات أحد أسباب فائض التصدير الضخمة في ألمانيا.
وبحلول منتصف العام 2018، ارتفع المبلغ الصافي لأوامر الدفع إلى ألمانيا من خلال نظام الهدف إلى 976 بليون يورو. وباعتبار السحب على المكشوف على الدوام من البنك المركزي الألماني، لم تكن هذه الأموال مختلفة عن حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي، باستثناء أنه يوجد الكثير منها -وهو مبلغ أكبر من جميع الصناديق التي يرغب صندوق النقد الدولي في إقراضها لبعضها البعض. وقد تراجعت إسبانيا وإيطاليا وحدهما بنحو 400 و500 بليون يورو على التوالي. وبالرغم من -أو بسبب- هذه المكاسب، ما تزال قطاعات التصنيع في بلدان جنوب أوروبا بعيدة عن استعادة القدرة التنافسية. في البرتغال، على سبيل المثال، ما يزال ناتج قطاع الصناعات التحويلية أقل بنسبة 14%مما كان عليه في الربع الثالث من العام 2007، بعد الانهيار الأول لسوق ما بين البنوك الأوروبية. وبالنسبة لإيطاليا واليونان وإسبانيا، فإن هذا الرقم هو 17%و19%و21%على التوالي. وفي الوقت نفسه، تزيد نسبة الباحثين عن عمل بين الشباب عن 20%في البرتغال، وأكثر من 30%في إسبانيا وإيطاليا، وحوالي 45%في اليونان.

والآن بعد أن دخلنا العقد الثالث لليورو، تجدر الإشارة إلى أن البرتغال وإسبانيا واليونان يحكمها جميعا اشتراكيون متطرفون تخلوا عن مفهوم المسؤولية المالية، الذي يسمونه «سياسة التقشف». والأسوأ من ذلك هو أن الأحزاب التقليدية الإيطالية جرفتها جميعاً الحركة الشعبوية وتعتزم الحكومة الشعبوية الجديدة في البلاد -التي تتألف من حركة الخمس نجوم وليغا نور- رفع الديون إلى حد كبير لدفع تكاليف التخفيضات الضريبية المقترحة لها وتكاليف الدخل المضمون. وقد تهدد بالتخلي عن اليورو تماما إذا رفض الاتحاد الأوروبي التعامل معها.
في ضوء هذه الحقائق، لا يستطيع حتى أكثر المتحمسين لليورو أن يقولوا بصراحة إن العملة الموحّدة كانت ناجحة. لقد تجاوزت أوروبا نفسها بشكل واضح. ولسوء الحظ، كان عالم الاجتماع العظيم رالف داهريندورف محقاً في استنتاجه قائلاً: «إن اتحاد العملة خطأ فادح، هدف خادع، متهور، ومضلل، ولن يوحّد أوروبا بل سيفككها». من الصعب رؤية مسار واضح في المستقبل. يزعم البعض أنه ما يزال هناك المزيد من التنشئة الاجتماعية للدين وتقاسم المخاطر على المستوى الأوروبي. ويحذّر آخرون من أن ذلك سيدفع أوروبا إلى مستنقع أكثر عمقا من عدم المسؤولية المالية. وسيتسبب تشويه سوق رأس المال المصاحب في حدوث أضرار اقتصادية حادة، لا يمكن لأوروبا تحمّل تكاليفها، في ضوء موقفها التنافسي العالمي الصعب مقابل الصين الناشئة وروسيا وأمريكا الأكثر عدائية. بطريقة أو بأخرى، سيقرر العقد الثالث لليورو مصيره.

أستاذ علم الاقتصاد بجامعة ميونيخ، وكان رئيس معهد Ifo للأبحاث الاقتصادية، وهو عضو في المجلس الاستشاري لوزارة الاقتصاد الألمانية.