
مسقط - لورا نصره
وفقا لإحصائيات وزارة التنمية الاجتماعية للعام 2017 فقد سجّلت 442 حالة إساءة مختلفة بحق الأطفال، فيما بلغت عدد الإساءات الجنسية منها 93 حالة. وهذا ربما لا يكون العدد الحقيقي لما يتعرّض له أطفالنا من إساءات فهناك الكثير من العائلات التي ترفض الشكوى أو التبليغ خوفا على مستقبل وسمعة الطفل أو حتى تجهل ما وقع لطفلها. ومن هنا يولد سؤال غاية في الأهمية.. كيف نحمي أطفالنا بالدرجة الأولى، ومن ثم كيف نجعلهم يبوحون بما يحصل معهم دون خوف أو خجل؟
الإجابة على هذا السؤال ربما تكون من خلال الورشة التي تنظّمها جمعية المرأة العُمانية صباح اليوم في شناص بمشاركة أكثر من 100 طفل تحت عنوان «ورشة الخطوات الثلاث» والتي تقدّمها د.منى سعيد الشكيلية، استشارية طب نفسي للأطفال والمراهقين ورئيسة قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بمستشفى المسرة.
د.منى حاصلة على شهادة الزمالة في الطب النفسي للأطفال والمراهقين والعلاج الأسري وحاصلة على البورد العربي في الطب النفسي، وهي ناشطة في العمل التطوعي ووسائل التواصل الاجتماعي بهدف التوعية بالمشكلات والاضطرابات النفسية في مرحلة الطفولة والمراهقة. كما أنها مؤسِّسة حملة «سري هو توحدي» التي تعنى بالتوحد، وعضوة مؤسِّسة لحملة «عشانك» للاتزان النفسي. شاركت كمتحدّثة في مؤتمرات محلية ودولية، وقدّمت العديد من المحاضرات والورش التدريبية، وكُرِّمت من قِبل اللجنة الوطنية للشباب وذلك كأحد الشباب الفاعل في المجتمع في العام 2017. في السطور المقبلة نحاول الحصول منها على بعض الإضاءات المهمة.
بداية ما هو الدافع لهذه الورشة؟ وما هو محتواها وهدفها؟
الخطوات الثلاث ورشة تتحدّث عن ثلاث مبادئ رئيسية تحمي الطفل من الإساءة، حيث أصبحت الإساءة بشتى أنواعها «الإهمال والإساءة الجسدية والإساءة الجنسية والإساءة العاطفية» إحدى آفات العصر التي لا تميّز عرقا ولا بلدا ولا دينا حيث إنها آخذة في الازدياد للأسف.
وحين نتحدّث عن الإساءة الجنسية ضد الأطفال فنحن نتحدّث عن إساءة قد تستمر آثارها مع الطفل مدى الحياة، وما يجعل الأمر أكثر تعقيدا وصعوبة، هو الكتمان الذي غالبا ما يرافقها حيث ثبت عالميا أن ثلث الضحايا قد يصلون إلى مرحلة الشباب دون إخبار أحد ما حدث لهم حيث يعاني الطفل لفترات طويلة وحيدا وفي صمت.
وهنا تأتي أهمية تثقيف وتعليم الطفل الفرق بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة، ويجب أن يفهم الطفل أن هنالك مناطق خاصة له وحده لا يسمح لأحد أن يراها أو يلمسها ويجب أن يحدث ذلك بما يتوافق ويتناسب مع قدرات الطفل العقلية والنفسية.
ومن هنا أتت فكرة هذه المبادرة حيث تأتي هذه الورشة في ولاية شناص بعد أن سبقتها 4 ورش أخرى في ولايات مختلفة، وهذه الورش تجسّد المرحلة الأولية للمبادرة التطوعية التي سأقوم بالإعلان عنها وتدشينها قريباً بإذن الله، والتي حرصت من خلالها على بناء محاور ومضامين تتوافق مع طبيعة الطفل والمجتمع العماني، وتهدف هذه المبادرة إلى رفع الوعي لدى الأطفال من خطر التحرّش الجنسي وكيفية التصدي له، وستكون على أكثر من مرحلة وتستهدف فئات مختلفة من المجتمع.
أما الهدف فكما هو واضح فإنه توعية الطفل وحمايته من الوقوع في براثن الإساءة الجنسية، حيث إنه في أحيان كثيرة لا يدرك الطفل العلامات التي تنبّئ عن احتمالية حدوث الإساءة مستقبلاً وفي هذه الورشة يتعلّم كيف يستطيع تمييزها.
في أي عمر برأيك يجب البدء بتوعية الأطفال بالتحرّش الجنسي؟
أعلم جيدا أنه مجرد التفكير في إثارة هذا الموضوع لأطفالنا يشعرنا بعدم الارتياح وكثير منا يعتقد أو يشعر وكأنه ينتزع براءة طفله بالحديث في موضوع مشابه حيث إن الحديث عن الإساءة الجنسية ليست بالمهمة السهلة ولكن يجب إعداد الأطفال دون تهوين أو تهويل.
إن التربية الجنسية تبدأ من عمر صغير جدا في عمر الثلاث سنوات حيث إن الطفل في هذه المرحلة يبدأ في تعلّم ما هو صحيح وخاطئ من والديه وذلك عن طريق سماعه أو مشاهدته ما يحدث أمامه.
كما أنه يتعلّم أيضا طرق التعبير عن الحب والمودة والعناية بين الأشخاص عن طريق اللمس.
لذلك يصبح من المهم الآن أكثر من أي وقت مضى أن يكون الآباء منتبهين إلى ما يشاهده أو يسمعه الطفل حتى يكون الوالدان هما المصدر الرئيسي للمعلومات الجنسية التي يتلقاها الطفل. وهنا يجب أن يخاطب الطفل بما يتناسب مع عمره وفكره دون التطرّق إلى تفاصيل تجعل الفضول يعتريه.
لذلك أقول: تذكّر أيها المربي أن الحديث عن الجنس يجب أن يبدأ في وقت مبكّر ويجب أن يكون عملية مستمرة ومتكررة لا أن يكون شيئا عابرا.
هل هناك خطوات معيّنة يمكن للوالدين اتّباعها لتجنيب أطفالهم التحرّش.. بماذا تنصحين؟
1 - السعي لفتح قنوات التواصل مع أطفالهم والتربية الجنسية السليمة.
2 - تشجيع الطفل للحديث عن تفاصيل يومه وبناء جسور الثقة بين الوالدين وطفلهم حيث يبدأ الطفل بالحديث عن أي شيء جديد حدث له والنقاش في أي موضوع يخطر في مخيّلته.
3 - محاولة أن يتعلّم الآباء كل شيء يتعلّق بالإساءة الجنسية ومعرفة الحقائق المتعلقة به.
4 - ملاحظة أية مؤشرات أو «علامات حمراء» تدل على الإساءة حيث إن أغلب المعتدين لا يعتدون مباشرة على الطفل بل تكون هنالك مراحل حتى تصل لحظة الاعتداء.
5 - معرفة أين طفلك ومع مَن «مَن هم أصدقاؤه» وماذا يفعل هو واحد من الأشياء المهمة لتجنّب الإساءة الجنسية.
6 - يجب تعليم الأطفال أن الخطر قد يأتي من أي شخص وفي بعض الأحيان من شخص يثقون به، وتعليمهم التمييز بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة وأنه لا يحق لأحد أن يلمس أجسادهم بطريقة غير مريحة.
7 - محاولة الآباء فهم العلامات الدالة على الإساءة الجنسية؛ وذلك لأنها تكون غير ظاهرة فهي ليست كالإساءة الجسدية حيث بالإمكان مشاهدة الكدمات أو حتى الكسور.
ما هي أنواع الاعتداءات الجنسية؟ وما المراحل التي يقوم بها المعتدي قبل الاعتداء؟
هنالك نوعان مختلفان من الإساءة الجنسية:
الأول: عندما تحدث الإساءة غالبا من شخص غريب لا يعرفه الطفل وتكون مباشرة حيث يعمل المعتدي على إرغام الطفل بالممارسة الجنسية باستخدام وسائل مختلفة كالتهديد أو الخطف أو القوة.
أما النوع الثاني وهو الأكثر شيوعا حيث يقوم المعتدي بخطوات الاستدراج وهي ست خطوات:
1 - اختيار الضحية حيث يحاول المعتدي انتقاء طفل يستطيع السيطرة عليه أو لديه مواصفات مختلفة كأن يكون فاقدا لاهتمام والديه أو لديه إعاقة أو حتى طفل مميّز بين أقرانه.
2 - يعمل المعتدي على دراسة احتياجات الطفل العاطفية، النفسية وحتى المادية؛ وذلك بهدف كسب ثقة الطفل.
3 - ملء حاجة الطفل مهما كان نوعها «كأن يبدأ بإعطائه الاهتمام والعاطفة، الهدايا أو الأموال، أو حتى الوقت».
4 - يعمل المعتدي على تطوير العلاقة بينه وبين الضحية. كما أنه يحاول إيجاد أماكن أو أوضاع معيّنة حيث يختلي المعتدي بالضحية «كأن يذهب الطفل مع الشخص المعتدي في السيارة، أو مشاهدة أفلام لوحدهم أو اللعب بمفردهم وغيرها الكثير» ويقوم المعتدي بتعزيز هذه العلاقة حين يجعل الطفل يشعر بأنه شخص محبوب وخاص لديه دون غيره.
5 - إضفاء الطابع الجنسي للعلاقة حيث يقوم الجاني بإدخال بعض الأحاديث الجنسية أو عن طريق الصور أو الفيديوهات أو إيجاد بعض المواقف «كالسباحة دون ملابس» وهنا يستغل الجاني فضول الطفل الطبيعي مستخدما مشاعر التحفيز لتعزيز العامل الجنسي في العلاقة.
وحين يبدأ الطفل بتعلّم أشياء جنسية يعبث الجاني بمشاعر هذا الطفل البريء ويحاول إيجاد ما يسعد الطفل في هذه العلاقة الجنسية حتى يستطيع توسيع دائرة علاقته الجنسية وحين يدرك الطفل ما يحدث ينتقل الجاني للمرحلة الأخيرة.
6: الحفاظ على السيطرة: بمجرد حدوث الإساءة يقوم المعتدي بإلقاء اللوم على الطفل الضحية كما أنه يحثه على التكتم والسرية على هذه العلاقة. ويهدد الضحية بسحب وإنهاء جميع ما قدّمه له سابقا من اهتمام وهدايا وغيره مما يجعل الطفل يشعر بالخسارة إذا ما انسحب من هذه العلاقة. وبذلك يستطيع أن يضمن استمرارية العلاقة الجنسية.
هل هناك إشارات قد تكشف للوالدين أن طفلهم تعرّض للتحرّش الجنسي، في حال لم يفصح الطفل لوحده؟
ليس من السهل اكتشاف علامات الإساءة الجنسية ولكن هنالك علامات حمراء بالإمكان تمييزها، حيث إن هنالك مجموعة من الأعراض تدل على أن الطفل قد يكون تعرّض للإساءة ألا وهي:
مخاوف جديدة من أماكن اعتاد عليها أو أشخاص معيّنين.
صعوبة في النوم، أحلام وكوابيس مزعجة «دون أي تفسير».
رسومات أو كتابات جنسية أو حتى أحلام جنسية غير متلائمة مع عمره.
تبول ليلي لا إرادي بعد أن تكون هذه المشكلة انتهت سابقا.
التصاق بالأهل غير معتاد كأن يفضّل البقاء مع والدته دون الرغبة باللعب مع الأطفال الآخرين.
عزلة اجتماعية حيث يتجنّب الطفل أي اجتماعات عائلية.
كما أنه قد يحدث تدهور في مستواه الدراسي وهذا لا يعني أن يصل إلى مرحلة الرسوب ولكن حتى الاختلاف البسيط غير المبرر قد يكون سببه الاعتداء.
القلق وشرود الذهن غير المعتاد.
حزن وغضب غير معتادين.
العنف ضد الآخرين أو حتى ضد النفس.
إيذاء النفس: قد يبدأ الطفل في إيذاء نفسه وتلك طريقة من الطرق التي يلجأ لها الأطفال لشد الانتباه وطلب المساعدة.
الانتحار: للأسف في بعض الأحيان حين يشعر الطفل بسوداوية الأمر وعدم قدرته على الخروج من هذا المأزق وعدم القدرة على التعايش مع هذه المشاعر والأحاسيس يصل إلى مرحلة يشعر عندها بالرغبة في الانتحار.
من واقع عملك.. هل تحدِّثينا عن بعض الحالات والقصص التي مرّت عليك لأطفال تعرّضوا للتحرّش؟
لا يُسمح لي بالحديث أو التصريح عن الحالات ولكن ما أستطيع ذكره أن هنالك حالات إساءة تحدث في عمر صغير جدا مثل عمر الـ3 سنوات.
هل تستهدف الورشة الوالدين أيضا للتوعية بأهمية الإبلاغ عن حالات التحرّش بأطفالهم وكيفية التعامل معها؟
هذه الورشة موجهة للأطفال فقط حيث إنها بطريقة ولغة تناسب هذه الأعمار.
هل توجد إحصائيات لديك عن عدد الحالات في السلطنة يمكنك تزويدنا بها؟
حسب إحصائيات العام 2017 المسجلة من وزارة التنمية الاجتماعية، فإنه هناك 442 حالة إساءة مختلفة تمت بحق الأطفال، فيما بلغت عدد الإساءات الجنسية منها 93 حالة.
برأيك ما هي أكثر الأماكن التي يتم فيها التحرّش بالأطفال؟ ومن قِبل مَن؟
ما هو معروف عالميا أن ثلث الحالات تتم الإساءة لهم عن طريق أشخاص مقرّبين للطفل، حيث إن أغلب حالات الإساءة الجنسية تحدث من أشخاص تربطهم علاقة مع الأطفال.
وقد تحدث الإساءة في أي مكان.. المدرسة أو بيت الأهل أو الجيران أو الأصدقاء.
لمَن يستطيع الأهل اللجوء في حال اكتشفوا واقعة تحرّش أو إساءة بحق أطفالهم؟
يمكنهم الاتصال بالخط الساخن للتنمية الاجتماعية 1100 (خط حماية الطفل).
كما توجد لدينا في مستشفى المسرة قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين عيادة مختصة للتعامل مع حالات الإساءة الجنسية حيث نوفّر التقييم والدعم النفسي لهؤلاء الأطفال وأهاليهم إذا ما استدعى الأمر؛ وذلك حتى يستطيع الطفل الخروج من المشاكل النفسية المصاحبة للإساءة الجنسية ويستعيد مسار حياته بطريقة أفضل.
إن الإساءة الجنسية لا تُلقي بظلالها السوداء على الطفل لوحده فحسب بل تمتد إلى عائلته الصغيرة والكبيرة في بعض الأحيان.