لكم جميعا

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٢/أغسطس/٢٠١٨ ٠٣:١٨ ص
لكم جميعا

عزيزة راشد

نحن الذين أشعلنا في ليل العتمة أصابعنا ليبصر الآخرين طريقهم، ثم أغلقوا الباب خلفهم بعد وصولهم وتركونا في عتمتنا هائمون.

نحن الذين وهبنا المحبة والصبر والإخلاص والوفاء، فأخذوه أخذ عزيز مقدر، ثم عاثوا في الأرض فسادا وتشويها لأرض حرثوها وأكلوا من خيراتها.

نحن الذين كنا نهب الوقت والعمر والفكر للعمل ونبتكر الجديد له، نصطاد الفكرة ونروض المعنى ونفتح آفاق المعرفة خدمة لوطننا، فرأوه طموحا غير مستحب وتطلعا لقمم قد تهوي بتلالهم الهشة.

نحن الذين أخلصنا في إعمالنا إخلاص العابد الناسك المتعبد، وأخذنا بيد من هو أدنى منا لنعلمه ونرشده ونعطيه مصباح الظلام وخريطة الطريق، وعندما رأى سماءه قد اتسعت، حلق بجناحيه ونثر الغبار في أعيننا.

نحن الذين ساهمنا بالكلمة والحرف والفكرة، وأرسينا القواعد والنظريات، وأسسنا منطلقا وأساسا متينا، وعندما جاء الاختيار، وضعوا التاج على رؤوس الأطفال.

نحن الذين علمنا تلاميذنا أن الوطن يستحق العطاء، وأن الله يبارك عمل المخلصين، فأخذ التلميذ القواعد وألف منهجا مختلفا سطر صفحاته ضدنا، وطبق نظرياته الجاحدة علينا، دون مراعاة لقاعدة الأستاذ والتلميذ.

نحن من صبر في ليل الوحدة وكتم معاناته وهمه، وبكى لله الذي أعلم بدموعه وأحصاها عددا، وأشرق للعالم في وضح النهار مبتسما، بينما كانت دموعه لا تزال تبلل الوسادة.

نحن الذين خبأنا أحلامنا تحت وسادتنا، وطوينا حزننا عن الليل وعيون الحاسدين، والتحفنا بالشوك صابرين متأملين بغد أفضل، ومر العمر دون أن يشرق الصباح بأحسن مما عملوا.

نحن الذين تعمقنا في صفحات العلم وأوغلنا فيه عقولنا، وحملنا منه ما تيسر لنا، وبقينا رغم هذه الثروة والذكاء المتوهج مهمشين على طاولة نسيان قصية لا يعلم عن وجعها أحد.

نحن الذين أغلقنا نوافذ الحقد عن قلوبنا، وأبعدنا رماد الغيرة عن عقولنا، ورششنا العطور على ألسنتنا لتنثر شذى الطيب، فحقدوا علينا وغاروا كيف لهم السعادة ؟ فخنقوها وعقروها وما كادوا يفعلون.

نحن الذين أفنينا أعمارنا في العمل حتى توشح الرأس بالبياض والوهن بالعظم والوجه بالتجاعيد، فما نلنا الشكر ولا التكريم، وما خطوا لنا (شكر الله سعيكم)، فحملنا الحزن مع الشيب حتى وهن القلب وغادر، وأصبحت الجثة خاوية دون روح تمشي في طرق الحياة بكل شرود وذهول.

هي قصص يتشابه فيها الجميع بطريقة أو بأخرى، ومن قصص الناس حكايات وأمثلة وعبر.