x

عُمان.. العبور إلى عصر النهضة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٦/يوليو/٢٠١٨ ٠٤:١٣ ص
عُمان.. العبور إلى عصر النهضة

علي ناجي الرعوي

قليلون هم الساسة ورجال الحكم في العصر الحديث الذين حازوا احترام الآخرين وتغنى بهم خصومهم قبل أصدقائهم، وقليلون هم أيضاً القادة الذين كانت لهم بصماتهم المؤثرة في حياة شعوبهم ومجتمعاتهم عندما تمكنوا من استثمار خريطة الفرص المتاحة للنهوض ببلدانهم وانتشالها من حالة الجمود والتقوقع والوهن، والانتقال بها إلى رحاب العصر وواقع جديد وآفاق جديدة لا سقف لها ولا حدود.

وحين نتذكر مثل هذه القلة النادرة من الشخصيات القيادية التي انتصرت لإرادة الحياة بالعلم والعمل والمثابرة لتضع أوطانها في المكانة التي تستحقها على خريطة المجتمعات الناهضة، فلا بد لنا أن نلتفت وندير رؤوسنا في اتجاه سلطنة عمان الأرض والإنسان والقيادة، إذ إنه وعلى تلك المساحة الجغرافية برزت واحدة من التجارب المثالية التي تجلت فيها خصائص قائد حكيم أضاف بإنسانيته ورؤيته الثاقبة ونباهته الفكرية وصدق توجهاته لكل الألقاب التي تسبق اسمه، وهنا فليس نفاقاً أو تزلفاً القول إن ميزة هذا الحاكم العربي الأولى أنه الذي ظل متمسكاً بمبادئه ولم يتراجع عنها حتى في أحلك الظروف التي عصفت بالمنطقة وسقطت من قسوتها كل الأوراق والثوابت، وميزته الأخرى أنه الذي جعل من السلطة مغرماً وليس مغنماً ليغدو من نافذة هذه السمة الرفيعة والمتعالية معبراً على الطموحات الكبرى لأبناء شعبه والتي لا توازيها سوى طموحات المخلصين من أمثاله في هذا الزمن الذي قل فيه من يحملون هذه الصفات.

لقد تولى جلالة السلطان قابوس السلطة في لحظة عصيبة من سنة 1970م، فقد كانت فيها رقاب العمانيين تحت مقصلة التخلف والبؤس والفقر والاحتقانات الداخلية، ومن منظور كل الاحتمالات فإن تجاوز هذا الواقع في بلد عانى تراجعاً مأساوياً استمرت من النصف الثاني للقرن التاسع عشر كما توثق بعض الدراسات التاريخية هو أمر صعب وشاق ومحكوم بالفشل سلفاً، وتصور ما هو عكس ذلك يبدو هو الآخر أيضاً أكثر صعوبة خصوصاً إذا ما علمنا أن بنية تلك الحالة من الانحسار التي كان يغرق فيها هذا البلد، وإن كانت في بعض تعبيراتها تعود لأسباب داخلية فإن بعضها الآخر كان ناجماً عن عوامل خارجية ساهمت فيها قوى إقليمية ودولية بهدف الإبقاء على عمان متخلفة عن الركب ومعزولة عن مسارات النهوض التي يشهدها الجوار الخليجي والمحيط الإقليمي، وهو ما يعني أن كل الطرق أمام هذا القائد العربي الأصيل كانت مليئة بالأشواك ومحفوفة بالمصاعب والمنحنيات الشاقة إلا أن الإرادة التي تسلح بها كانت أقوى من أن تنكسرا أو تنتكس. لم يكن من قبيل المصادفة أن يصبح المستحيل ممكناً، وأن يولد الأمل من رحم الألم طالما قد قيض الله لهذا البلد قائداً ملهماً حرص منذ اللحظة الأولى على أن يضع كل شيء في موضعه حتى يكتمل البنيان ويرتفع ويعلو بشكل سليم، وصحيح حيث أدرك جلالة السلطان قابوس وهو يرسم خريطة المستقبل أن وضع كل شيء في مكانه المناسب وفي المرحلة التي يناسبها هو عين الصواب؛ ولذلك سارع في البدء إلى تحقيق المصالحة الداخلية لتتمكن عمان في فترة وجيزة من القفز على كل مظاهر الضعف التي مرت بها، وأن تحقق ذاتها بالوحدة الوطنية أولاً ثم بوضع أساسات العبور إلى عصر النهضة ثانياً، لتأتي النتائج فوق التوقعات وبأسرع مما كان مخططاً له إذ لم تمض سنوات حتى انقشعت تلك السحابة السوداء التي كانت تخيّم على هذا البلد.
لقد احتفلت عمان قبل أيام قلائل بمرور 48 عاماً على انطلاقتها الجديدة والمعاصرة، وكانت هذه المحطة بالنسبة للكثير من العرب جديرة بالاهتمام، سيما وقد برهنت هذه الدولة العربية التي أضحت تمثل واحة للسلام والاستقرار والأمن والأمان والرخاء الشامل بتجربتها النهضوية من أن الأمم والشعوب متى ما تهيأت لها الفرص والقيادة الواعية والمخلصة فإنها التي تصبح قادرة على إنجاز وصنع التحولات في شتى مناحي الحياة إلى درجة أن هناك من أصبح يرى أن هذه التجربة ينبغي أن تصبح مصدر إلهام يمد كل العرب من المحيط إلى الخليج بما يمكنهم سياسياً وتنموياً وثقافياً من إنجاح انتقالهم إلى وضع جديد يقوم على التصالح والتوافق والقبول بمفهوم الدولة، وتمثله على صعيد الإدراك والوعي السياسيين، والحقيقة أن الانتصار على استعصاء من هذا الحجم يرتبط بشكل عميق بكفاءة القيادة والنخبة السياسية قبل غيرها من المكونات المجتمعية التي ما زالت بحاجة لاكتساب المناعة التي تحميها من فيروسات الاختراق.
لا يغيب عن الذهن أن عمان التي أنجزت خلال أقل من 5 عقود نهضة متكاملة في جميع المجالات التنموية قد اختطت أيضاً سياسة خارجية حكيمة تعتمد السلام خياراً وطنياً، وقد ذهبت إلى أبعد من ذلك حينما رسخت هذا التوجه في مبادئ البلد الذي أكد على أن السلام هدف من أهداف الدولة وركيزة أساسية في بنائها وعلاقتها، ومن هذا المنطلق فقد تمكنت عمان من إقامة علاقات سلام وصداقة مع دول الجوار ومختلف دول العالم، بل أنها من خلال هذا النهج جعلت من نفسها وسيطاً نزيهاً لحل الكثير من المشاكل والمنازعات عن طريق التوسط وتقريب وجهات نظر بين المتخاصمين. وبعد كل ذلك فإن القيادة الحكيمة في سلطنة عمان بنظرتها الثاقبة وبصيرتها المتميزة وتجربتها التي يحتذى بها كانت بحق هي وحدها التي لم تقع في الأخطاء الشائعة التي وقع فيها غيرها من قيادات المنطقة العربية؛ ولذلك كان من الطبيعي أن تثمر جهودها عن بناء دولة حديثة وناهضة ومستقرة هي اليوم مصدر فخر واعتزاز لكل العرب.

كاتب يمني