«صاحبة الجلالة» على شفير الإفلاس

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٤/يوليو/٢٠١٨ ٠٥:٠٢ ص
«صاحبة الجلالة»

على شفير الإفلاس

د.لميس ضيف

أحد أقربائي عَلم من أعلام الخط العربي، رأيته في طفولتي يكتب اسم شخص بنقش حصان فتحوَّل في عيناي لـ«مايكل أنجلو». حملت العملة الورقية خطه، وكان الأعيان والشيوخ يحجزون موعدا معه لأشهر ليخط لهم دعوات زفافهم ومناسباتهم، وكان يُكترى لكتابة لافتات المحلات الكبيرة، ويشارك في مسابقات على مستوى الوطن العربي يخطف فيها المركز الثاني إن لم يكن الأول.

مرّت السنوات، ودخلت برامج الخط الإلكترونية حياتنا، وأصبح الواحد منا يستطيع -بضغطة زر لا أكثر- أنْ يصمّم بنفسه ألف بطاقة ولوحة. فانتهت مهنة «الخطاط» بلا رجعة وانتهى معها المستقبل المهني لمبدعيها الذين احتفظوا برمزية ما، وصاروا كالآثار التاريخية التي تُقدّر ولا تُستخدم. رغم أنهم كانوا، قبل سنوات معدودة فقط، يملكون مهنة من ذهب.
يحقُ لي ولأمثالي أن نخشى المصير ذاته فالصحافة لم تعد صاحبة الجلالة، ولم يعُد لها بلاط، وفقدت منصبها كسلطة رابعة في أغلب دول العالم؛ فهي مطية للسياسيين في دول، وألعوبة في يد رجال المال في أخرى، وصبية مضطهدة في حرم رجال الدين في غيرهما، وحتى الجماهير صارت تتنمّر عليها إنْ هي ما نطقت بما لا يعجبها ففقدت هيبتها التي كانت.
لم تعُد الصحف «ألسن العقلاء» كما كان قال ولي الدين يكن. ولم تعُد مُخيفة أكثر من المدافع كما كان يقول نابليون. ولم تعُد أهم من الحكومات كما قال بروفيل. وقعت في فخ الثرثرة، واعتصمت بالعموميات خوفا من السياط، وأصبحت تعاني من فقر متناهٍ في المضمون وفي الخزينة أيضا.

كان سعد زغلول يقول:

يحب السياسي الصحفي المؤيّد ولكنه يزدريه، ويكره الصحفي المعارض ولكنه يحترمه.

ولكن الوضع تغيّر؛ فالصحفي «غير المروض» لا مكان له في حرمات أغلب الصحف؛ لهذا تفشّت ظاهرة «صحفي العلاقات العامة» في كل مكان، حتى في الدول الديمقراطية. تهاوت صحف مستقلة تمارس الصحافة الحقة، مثل نيويورك تايمز، والإندبندنت البريطانية، وكريستيان مونيتور وكلها صحف تجاوز عمرها الـ100 عام، وتخطت ديونها البليون دولار، فيما انتعشت سوق الإعلام الترفيهي فارغ المحتوى، حتى صار فيلم مراهقين يحقق في أسبوع ما لا تحققه الصحف الرصينة في عام!

أمام كل هذا تذكرت قريبي الخطاط، ومهنته التي شاخت قبل أوانها وتملّكني القلق.
هل ستصبح «صاحبة الجلالة» موظفة علاقات عامة بعد تقاعدها!
أتمنى أن تأتي معجزة ما لتغيّر هذا الواقع القاسي، وأن تعود الهيبة للكتاب، وتستعيد الصحف حنجرتها من جديد.
فالتعليم والإعلام هما السلاحان الأوحدان للتغيير، دونهما، ستمرّ علينا الأعوام ونحن كما نحن -وغالبا أسوأ- لذا على الصحف ألا تستسلم، وعلى الصحفيين المرابطة؛ فهم -وإنْ قلّت حيلتهم- رهان الغد الذي نحلم به.

lameesdhaif@gmail.com