أدريان بريدجواتر
هناك تغيير يحدث في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، حيث كنا نركّز في الماضي على تجارة الحرير والتوابل الثمينة، ثم اتجه تركيزنا أخيرا إلى تجارة البتروكيماويات، والآن فقد ابتكرنا صناعة جديدة ضخمة النطاق تلبي حاجتنا المستقبلية للمياه في المنطقة بأسرها.
ما يزال هذا الدمج بين الهندسة المدنية والجيولوجيا وأبحاث المواد وتكنولوجيا المعلومات وليدا وحديثا للغاية حتى أننا لم نطلق عليه اسما بعد. لذا، دعونا نسميه الآن «علوم المياه». ولكن بماذا تختص علوم المياه؟ وماذا تسعى إلى تقديمه لنا؟
إن هذا الاتجاه المتنامي الجديد المتمثل في علوم المياه المعنية بالجزيرة العربية ملائم ومواتٍ لعام 2018. ترتبط خلفية الصراع السياسي الأخير في سوريا بالحصول على المياه في المقام الأول، وقد ذهب كثيرون إلى ضرورة وضع مسألة احتياجات الجزيرة العربية من إمدادات المياه على قمة جدول الأعمال العالمي.
أشارت مؤسسة بروكينجز، وهي منظمة غير ربحية تعمل في مجال السياسة العامة، إلى أن اليوم «بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اليوم هي أكثر البلدان شحا في المياه على مستوى العالم، حيث يبلغ نصيب الفرد من إمدادات المياه العذبة أدنى من «خط الفقر المائي» البالغ 1000 متر مكعب سنويا».
على سبيل المقارنة، ووفقا لتقديرات الحكومة الأمريكية، فإن كل شخص يستهلك حوالي 80-100 جالون من الماء يوميا، حيث تبلغ سعة «حوض الاستحمام الممتلئ» حوالي 40 جالونا، في حين تستخدم غسالة الصحون ما يصل إلى 16 جالونا في كل دورة غسيل. كما يستهلك حمام السباحة الخاص مياها أكثر من ذلك بكل تأكيد. لا تشيع مثل هذه الاستخدامات للمياه في المناطق النامية (وحتى بعض المناطق الغنية نسبيا) من الشرق الأوسط. وهذه هي المناطق التي تكافح من أجل توفير مصادر مستدامة لمياه الشرب، في أماكن ترتفع فيها معدلات التبخر وتنخفض فيها معدلات هطول الأمطار.
كشف تقرير على موقع «ريليف ويب reliefweb» عن أن الاستغلال السيئ لإمدادات المياه الوفيرة هو الخطوة الأولى في حلقة مفرغة من الحرمان المائي. استشهادا بالتصريحات التي أدلى بها جيرت كابالاري، المدير الإقليمي لمنظمة اليونيسف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يتمثل الخطر هنا فيما يحدث عندما يُحرم الأطفال بشكل خاص من مصدرين أو أكثر من أهم ضرورات الحياة.
وتشمل هذه الضرورات البشرية كلا من التعليم الأساسي والمسكن الآمن والطعام المغذي والرعاية الصحية المهنية والمياه النظيفة والمرافق الصحية والوصول إلى المعلومات.
يبدو ما سبق باعثا على القلق، لكن علوم المياه تعمل جاهدةً من أجل بناء مستقبل أكثر إشراقا. على سبيل المثال، تبذل المملكة المغربية جهودا على المستوى الوطني في مسألة إدارة المياه الجوفية. ويُعتبر هذا تطورا ضروريا نظرا لتقييمات البنك الدولي، والتي تشير إلى أن نسبة 82% من المياه المستعملة في الشرق الأوسط لا يُعاد تدويرها.ومن أهم التطورات الجارية في علوم المياه ما نشهده من إقامة شراكة بين شركة التكنولوجيا العملاقة IBM ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا لبناء مرفق تحلية مياه بالطاقة الشمسية يمكن أن تصل طاقته الإنتاجية إلى 30.000 متر مكعب من المياه يوميا لخدمة ما يصل إلى 100.000 شخص في المملكة العربية السعودية. وتقوم هذه المحطة بتحلية المياه دون استخدام العملية الكهربائية المكلفة والمتعطشة لاستهلاك الموارد التي تعتمد عليها محطات التحلية القائمة اليوم في تحلية مياه البحار.ستستخدم محطة التحلية غشاءً نانوياً لتصفية الأملاح من مياه البحر. ويشبه هذا الغشاء النانوي فلتر تصفية القهوة الدقيق للغاية، إلا أن فلتر تصفية القهوة يعمل على التخلص من حبيبات القهوة، في حين يعمل الغشاء النانوي على تصفية المياه على المستوى الجزيئي. باستخدام فلتر تصفية بهذه الدقة، سيكون نظريا بإمكان علماء المياه في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا وشركة IBM التخلص من جزيئات الملح باستخدام مقدار بسيط جدا من الطاقة مقارنة بتقنيات معالجة المياه بالتناضح العكسي والمعالجة الحرارية، وهي تقنيات تستهلك كميات ضخمة من الطاقة.ورغم ما يتمتع به هذا العمل من تقدم وابتكار، فحتى علوم المياه قد لا تستطيع تقديم كل الحلول لتلبية احتياجاتنا المستقبلية من المياه في منطقة الشرق الأوسط. وسيلزمنا تطوير برامج جديدة لتوفير المياه واستكشافها وإدارتها، حيث يمكن أن تأتي هذه الأفكار المبتكرة من أي شخص. وهكذا، فقد تكون الفكرة التالية من بنات أفكارك أنت، لذا احرص على التفكير بعمق في حلول لهذا المأزق وتذكّر الآخرين من حولك.
متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا