من ضحايا الأمية إلى ضحايا التعليم

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٩/يوليو/٢٠١٨ ٠٤:١١ ص
من ضحايا الأمية إلى ضحايا التعليم

سمعان كرم

مثل كثيرٍ من الشركات التي تعمل في البلاد، تصل إلينا طلبات للتوظيف، إما عن طريق الهيئات الحكومية المعنية، أو بتوصية من أحد الأصدقاء والمعارف، أو مباشرة من الباحثين عن عمل وهؤلاء قلة.

وممن تقدموا إلينا مؤخراً شابة عمانية تخرجت منذ عام من إحدى الكليات التقنية باختصاص أدوات ومعدات التطبيب (Biomedical Equipment) بعد دراسة استمرت خمس سنوات، بدرجة جيد جداً ومعدلات مرتفعة في أغلب المواد، خلال المقابلة التي أجريتها معها بحضور مدير الموارد البشرية العماني أعجبت بإرادتها وتصميمها على العمل وإلحاحها للحصول على وظيفة، وقد تكون هي بأمس الحاجة إلى دخل يساعدها وأهلها.

سألتها لماذا لم تتقدم بطلب لوزارة الصحة أو إلى المستشفيات والعيادات الخاصة التي تستعمل تلك المعدات كي تعمل في مجال تخصصها.
أجابت بأنها لم تدع باباً إلا وطرقته دون جدوى حتى أنها اتصلت بالعديد من الصيدليات وبقي طلبها بلا نتيجة.
أعطيناها فرصة للعمل معنا لمدة ستة أشهر كي تختار طريقاً جديداً أو تعود إلى مجال اختصاصها إن حالفها الحظ.
إنها واحدة من ضحايا التعليم والتدريب والاختصاص، وقد تكون أمها أو جدتها من ضحايا الأمية أما هي فإنها ضحية التعليم، فهل هذا يعني أن التعلم لا ينفع؟!
كلا طبعاً، لكن التعلم دون هدف أو دون رؤية وتخطيط واضح أو دون اعتبار للوظائف المتاحة، أو كما نقول تلك التي لا تتناسب مع متطلبات سوق العمل، قد لا يجدي.
في العصر الذي نسعى فيه لنعلم أولادنا الابتكار والمعرفة وخفايا الثورة الصناعية الرابعة، واعتماد التحول الرقمي علينا نحن أيضاً كمسؤولين عن شبابنا وشاباتنا أن نعتمد الابتكار والتقنيات الحديثة لمعالجة تحدياتنا.
علينا أن نعصف الأفكار من جديد للخروج بحلول جديدة لمسألة التعمين بصورة عامة، وهي المعضلة الحيوية للاقتصاد وازدهار الوطن.
لكن لو بقينا على تفكيرنا القديم، نعمل ضمن قرارات قديمة، من الممكن أنها كانت صائبة يوم صدورها لكنها أصبحت عقيمة مع الزمن ولا تتناسب مع التحديات الجديدة، وإن تابعنا أسلوبنا بفرض توظيف القوى العاملة الوطنية، ولو بقينا نتخبط في إجراءات مبعثرة لا تربطها خطة شاملة، إن لم نغير فلسفتنا للموضوع سنصل إلى نفس النتائج غير المرضية لا للقطاع الخاص فحسب بل للموظفين العمانيين أيضاً.
إما أن نتحول ونبتكر ونسمع ونتشاور أو تخنقنا الأزمة أكثر يوماً بعد يوم.
ما الحل إذن؟ قبل أن نفكر في إيجاد وظائف جديدة -وهذا أمرٌ مهمٌ للغاية عن طريق تنويع الاقتصاد وتنشيطه- يجب أن نركز اهتماماتنا على الإحلال، فهناك حوالي مليوني وظيفة أوجدها القطاع الخاص يشغل حالياً أكثرها وافدون.
تبدأ العملية بإحصاء تلك الوظائف فعلياً أي على رأس العمل وليس ورقياً كما في سجلات وزارة القوى العاملة والفروقات بين الاثنين شاسعة.
قد يكون مثلاً عشرة آلاف مروج تجاري في السجلات الرسمية وعلى الواقع قد لا يكون هناك فعلياً أكثر من ثلاثة آلاف والسبب طبعاً هو حظر بعض الوظائف مما يشجع الشركات على تبديل التسمية الوظيفية وذلك للحصول على مأذونيات وتأشيرات، فتفقد الإحصائيات المصداقية المطلوبة وتصبح أداةً للتضليل. وهنا يصح استعمال الوسائل الذكية لتحقيق الغرض.
في خطوة ثانية تبوب المليوني وظيفة الفعلية وترتب في مجموعات مثل: قوى عاملة غير ماهرة، وفني معدات، ومروج، وضابط سلامة. ويستخرج من المجموعات تلك التي قد تستهوي وتجذب الشباب والشابات العمانيين وترسم خطة لاستهداف تلك المجموعات المختارة.
على ضوء الإحصائيات الواقعية، تضع مراكز التدريب والمعاهد والكليات وحتى الجامعات البرامج التي تؤهل إلى تلك الوظائف ونترك البرامج المعتادة أو التي لا تتناسب مع الخطة أو الإعداد المطلوبة ونعيد النظر بالتسميات الوظيفية لهؤلاء المتدربين لإحلالهم مكان الوافدين كي تتماشى مع عادات المجتمع. فمثلا نبدل تسمية ’سائق معدة‘ ونختار عبارة ’فني معدات‘ أو ما شابه ذلك. ثم يصار إلى تحسين معاشاتهم المقترحة لهم لتحفيزهم إذ إنهم هم أبناء البلاد.
لنأخذ مثلاً مهنة ضابط سلامة على مواقع العمل. فقد نص القانون على أنه يجب توظيف ضابط لسلامة لكل خمسين عاملاً. أي نظرياً يتحمل السوق الذي يوظف مليوني شخصاً عدد أربعين ألف ضابط سلامة. وهي مهنة يقبلها العمانيون والعمانيات ومعاشاتها تبدأ من حوالي 600-700 ريال شهرياً.
ومثال آخر هو سائق معدات. فهناك حوالي أربعين ألف معدة أو أكثر تعمل في البلاد وليس هناك معهدٌ واحدٌ يدرب على تشغيل المعدات.
أخيراً وبعد كل ذلك نطبق القانون على الجميع سواسية من ناحية نسب الإحلال دون تمييز بين كبير وصغير ما عدا الشركات المسجلة في ريادة. إذ لا بد من أن يكون هناك 400 ألف وظيفة من أصل المليونين يقبل بها الشباب العماني.
لقد عالجت النهضة المباركة الأميين وعلى المسؤولين أن يعالجوا مسألة المتعلمين.