اليوجا خلف القضبان

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٩/يونيو/٢٠١٨ ٠٣:٣٢ ص
اليوجا خلف القضبان
يوجا

سكوت بريستون

الجدران الخرسانية العارية والقضبان الفولاذية والحرّاس المسلحون... ليس هذا المكان النموذجي لدروس اليوجا، ولكنه البيئة التي اعتاد مدرّب اليوجا العمل فيها. أدخل المدرّب بشير رع اليوجا إلى 25 سجنا لبنانيا.

ابتداءً من العام 2016، بدأ بشير في تقديم جلسات اليوجا في سجن رومية، وهو أكبر سجن مشدّد الحراسة في لبنان وتضم أسواره أعلى كثافة من المتطرفين المدانين في المتر المربع الواحد على مستوى العالم. كان هذا البرنامج غير التقليدي ثمرة مبادرة من منظمة غير حكومية محلية اسمها «مركز كاثارسيس» حيث دعت مؤسِّستُها، زينة دكاش، المدرّب بشير رع إلى تقديم جلسات اليوجا ضمن مبادرة المركز.

ولأن بشير كان حديث العهد نسبيا بالتدريس، فقد انطوى تعليم اليوجا للسجناء على تحديات كبرى له. وللمساعدة في تخفيف مشقة هذه المرحلة الانتقالية عليه، أرسلت دكاش فيديو تدريبيا إليه، لكن بشير يقول إنه قرر عدم مشاهدة الفيديو حتى يتمكن من البدء بعقلية منفتحة على جميع الأفكار دون إطار يحُد من إبداعه وابتكاره. يقول بشير: «كان الأمر صعبا للغاية، ليس لأنهم سجناء أو لأننا في سجن، وإنما لأنني كنت مضطرا للتحدث بلغتين والتركيز على الجميع في الوقت نفسه. إن أقصى عدد يمكن تدريبه في الجلسة الواحدة بحيث يمكن التركيز حقا على كل متدرب هو 20 شخصا، وأنا لم أدرّب قط مجموعات بهذا الحجم من قبل. أما الآن، فعليَّ تدريب مجموعات تضم أعدادا أكبر من ذلك بكثير».
واتضح أن التغلب على الأفكار الخاطئة عن اليوجا كان من المصاعب الأخرى التي لزم مواجهتها. لقد كان العديد من السجناء ينظرون إلى هذه الرياضة باعتبارها طقسا دينيا ولم يشاركوا فيها خوفا من الانحراف عن دينهم. ولمعالجة ذلك، بدأ بشير في تكييف أنشطة اليوجا الروتينية المعتادة بعدة طرق، حيث توقف عن استخدام الموسيقى وألغى ترديد مقطع «أوم» وتجاهل فترة الاسترخاء التقليدية.
وفي غضون ثلاثة أشهر، يقول بشير إن حجم مجموعة المتدربين تضاعف حتى وصل إلى 56 مشاركا، حيث بدأ النزلاء في التغلب على خوفهم. فعلى سبيل المثال، قضى أحد النزلاء ثلاثة أشهر يراقب جلسات اليوجا قبل أن يشارك فيها ويجربها بنفسه.
ووفقا لبشير، فإن مفتاح نجاحه يكمن في قدرته على اكتساب ثقة السجناء. كما ساعدته نشأته في إحدى أكبر البلدات اللبنانية الفقيرة في تعزيز قدرته على التواصل بحنكة مع الآخرين داخل أسوار السجن. يقول بشير: «لقد وُلدت ونشأت في بلدة برج حمود، وهي أشبه بحي برونكس في أمريكا. فمثلا، عندما أذهب إلى السجن ويعرفون أنني من بلدة برج حمود، يعرفون أنني قادم من بيئة مشابهة لبيئاتهم. وهكذا نتواصل معا ويبدؤون في التفكير: إن هذا الشخص قد تعرّض لكل الظروف السيئة التي تعرّضنا لها ولكنه تغيّر، فلماذا لا نتغيّر نحن أيضا؟».
كما حرص بشير دائما على تقدير كل واحد من المتدربين معه وتذكر كل وعد قطعه على نفسه أمامهم مهما كان صغيرا، فيقول عن ذلك: «إنني أخبرهم دائما أنني لن أتخلى عنهم، وأصافحهم وأشدّ على أيديهم واحدا واحدا، وأشكرهم فردا فردا، فكل ذلك يُظهر احترامي لهم، وعندما تُظهر احترامك لشخص ما، فستجد أن الناس يبدؤون في احترام بعضهم كذلك».
في البداية، كان السجناء متحرجين من إغلاق أعينهم أمام بعضهم، حيث كانوا على يقين أن الآخرين سيحدقون بهم. أما الآن، فيقول بشير إنه تم ترسيخ الثقة بين السجناء، فأصبحوا يغلقون أعينهم، بل ويصفقون عندما تنتهي الجلسة.
وبفضل نجاحه في سجن رومية، أصبح بشير أول شخص يدرّس اليوجا على مستوى جميع السجون اللبنانية البالغ عددها 25 سجنا في مختلف أنحاء البلد. ويقول بشير إن الظروف قد تختلف اختلافا كبيرا من مكان لآخر، وإنه قد تعرَّض ذات مرة لهجوم من أحد السجناء، ولكنه عموما يرى الخير في هؤلاء القابعين خلف القضبان. ورغم ازدحام جدول أعماله باستمرار، ما يزال بشير يجد بعض الوقت للتدريس في سجن رومية، حيث بدأ تجربته الأولى في تعليم السجناء. ويقول: «إن الناس خلف القضبان ليسوا أشرارا، وإنما الوضع في لبنان والفقر هما ما يجعلان الناس يقترفون أشياءً سيئة، لكن الناس أنفسهم ليسوا أشرارا، وإنما فيهم الكثير من الخير».