x

تحرير "الخرابات"

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٤/يناير/٢٠١٦ ٠١:٢٠ ص
تحرير "الخرابات"

محمد بن سيف الرحبي
[email protected]

بعد أشهر من القتال المرير، تمكّن الجيش العراقي من تحرير الرمادي، وقد خطفتها «داعش» في غفلة مما كان مصدر فخر عربي بقوة ضاربة بنيت بعشرات المليارات التي كان يمكن أن تجعل من «أرض السواد» بقعة مضيئة على المستوى الحضاري، لا بلاد يبحث مواطنوها عن بلدان أخرى يستغيثون بها، في مرحلة حكم صدام، وأكثر من ذلك بعد سقوطه..

كانت فرحة القوة المحررة كبيرة، وما كان الهدف ممكنا بمثل هذا الوقت، والجهد، والثمن، لولا الدعم الأمريكي، وغيره مما يعوّل عليه في مهمات كهذه، لكن الأنباء تقول إن الخراب يعم الرمادي بنسبة 80 بالمئة.

كـــلما أنظر إلى نشرات الأخبار أستعيد ذات الفكرة، ماذا يتحرر وقد آل الحال إلى ما آل عليه من خراب، ربما يمكن أمام جريان المزيد من السنين إصلاح ما انكسر من حجر، لكن كيف لكل تلك النفوس التي عاشت ذلك الخراب الضارب الروح بدموية مريرة أن تجد علاجها؟!

الرمادي ليست أكثر دمارا من مدن أخرى في العراق.. ولا في مدن أخرى ما زالت محاصرة بالموت كل حين، مدن سورية كانت عابقة بالورد والياسمين، فإذا بها أطلال تبكي رائيها، وعلى امتداد الخارطة خرابات تتوزع على ليبيا واليمن وأفغانستان، كلها تنتظر تحريرها من انتحارات يومية تعيشها، أن يتمكن الإنسان من الرؤية وسط غبار الخرائب لعله ببعض الأمان يتجاوز واقعه، ويبدأ مرحلة التخفيف من ثقل الخرائب على الأقل على أمل أن تكون هناك رحلة صوب البناء، رحلة للاقتراب من الحلم.. رغم كل شيء.
احتاجت بيروت سنوات طوالاً لتعيد ترميم ما أحدثته الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما وانتهت «عمليا» باتفاق الطائف، رممت ما استطاعته على مستوى البنية الأساسية والنهوض العمراني، لكن الحرب التي كان يتوقع لها ألا تستمر سوى أسابيع خلفت آلاف القتلى والأيتام والأرامل وما شاء لقاموس البؤس أن يضعه ضمن مفردات تخرج من رحم الحرب المشوهة لروح الإنسان، أولا وأخيرا.

تناسخت الصور في مدن عربية شتى، كثيرة فوق العد، مقاتلون يصبون نيرانهم تجاه هدف ما، جدران مهدمة، بنايات تساقطت، مؤسسات تمت تسويتها بالأرض.. شوارع كانت يوما ما عامرة بحركة البشر، أسواق كانت شاهدة على إرث تاريخي.. كم أمضى الإنسان في تعميرها من عقود، لكنها مجرفة الشر قادرة على تحويل المنجز الحضاري البشري إلى ركام في لحظة غباء وحقد.

يبدو السؤال عصيا على الإجابة: هل ستتوقف مجرفة الشر عن ممارسة طغيانها المجحف في حق بشريتنا، أم أن الشوارع أمامها مفتوحة لتجرف حق طفل في مستقبل يريد أن يبنيه على ما قام به آباؤه وأجداده من قبله، أو أنه وسط الخرائب يشعر أن المستقبل خطف منه، وأنه مكتوب عليه أن يبقى لاجئا أو مشردا أو يتيما، عقودا من السنوات قادمة، حيث لا ضوء يبدو آخر نفق، يتمدد كل يوم، مخترقا المزيد من الأراضي.. ولننتظر منتجا آخر بعد أن تنتهي صلاحية داعش!!