شيء عن الأزمة الخليجية

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٣/يونيو/٢٠١٨ ٠٤:١٠ ص
شيء عن الأزمة الخليجية

فريد أحمد حسن

مؤلم وصول البعض في دول مجلس التعاون إلى مرحلة صار يشعر فيها بالفرح عند سماعه بخسارة الآخر وتضرره، أما سبب الألم فهو أن الآخر الذي فرح بخسارته مكمل له بل هو نفسه، شاء أم أبى، فالعلاقة فيما بين شعوب دول المجلس ينبغي ألا تحكمها السياسة التي من طبيعتها التقلب وأن تبقى كما هي، فجرح السياسة يبرأ سريعا؛ بتغير الأشخاص أو بتغير المواقف والسياسات، بينما جرح الشعوب يصعب مداواته ويطول علاجه.

السياسيون لا يكشفون كل المعلومات ولا يلزمون أنفسهم بتوفير المبررات التي دفعتهم لتجاوز الأزمة لو فعلوا، ولهذا فإن المتضرر الأكبر أو ربما الوحيد هو هذه الشعوب التي ستظل تعاني مما جرى وقد لا يبرأ جرحها، لهذا فإن على هذه الشعوب أن تنتبه لمسألة الشعور بالفرح عند خسارة الآخر المختلف معه والذي يمكن أن يكون خصما لكن لا يمكن أبدا أن يكون عدوا مهما ازدادت حدة الخلافات بين الدول ذات العلاقة.

وقوف الشعوب إلى جانب قياداتها في مثل هذه الأحوال أمر طبيعي ويدخل في الواجب، إذ لا يمكن لمنتم لهذا البلد أن يقف مع الآخر في ظرف كهذا ويحارب قيادته وإن كان مختلفا معها، فهذا الذي تفعله الشعوب يصنف في باب الوطنية التي من دونها لا تستحق أن تكون منتمية إلى وطنها. لكن ضريبة هذا الموقف كبيرة ولا مفر من تحملها، لأن الآخر أيضا لا يمكن أن يقف إلا مع قيادة بلاده وإن كان مخالفاً لها ومختلفاً معها، ولا مفر له من تحمل الضريبة نفسها.
لكن الوقوف إلى جانب القيادات ينبغي ألا يقود إلى مرحلة الإحساس بالفرح بتضرر الآخر المختلف معه وبخسارته، فهذا الآخر يظل ومهما بلغت شدة الخلاف معه جزءا من «نحن»، تماماً كما الظفر الذي لا يمكن أن يخرج من اللحم، وخسارته في النهاية خسارة لكل منتم لـ»النحن»، أي للجميع.
ليس الحديث هنا عن الفئة الأقل تعليماً أو غير المدركة لفعل السياسة وأحكامها ولكنه عن الفئة التي يفترض ألا تنجر إلى ما انجرت إليه ووصلت إلى مرحلة الشعور بالفرح بسبب تضرر الآخر وخسارته، فهذه الفئة دورها مختلف - هكذا يفترض – وينبغي أن تكون مواقفها وردات فعلها مختلفة أيضا وأن تكون مؤثرة في الفئات الأقل منها فتمنعها من الانجرار إلى السالب من المواقف والأفعال.
وصول هذه الفئة أو بعضها إلى هذه المرحلة غير المناسبة لاسمها وغير المتسقة مع وظيفتها يعني انحراف الأزمة واتخاذها أشكالا ما كان ينبغي لها أن تتخذها، ويعني أنها في طريقها إلى مزيد من التعقيد، فهذه الفئة هي بمثابة المهدئ والمنظم لردود أفعال الفئات التي دونها، فإذا فقدت قدرتها على القيام بهذه المهمة صارت هي الأخرى بحاجة إلى فئة تعيدها إلى حالة الهدوء وتنظم ردات فعلها، ولأنه لا توجد فئة فوقها يمكنها أن تفعل هذا لذا فإنها وكل الفئات التي دونها تتحول إلى سوالب تدفع المشكلة إلى المزيد من التعقيد، وفي هذا ضرر على كل أطراف الأزمة التي يفترض ألا تسمح بحدوث هذا كي تظل قادرة على الإمساك ببعض الخيوط المعينة لها على الوصول إلى تفاهم ما مستقبلاً.
تحول هذه الفئة وانحيازها الكلي إلى قياداتها في بلدانها يسد كل أبواب الحل ويمنع من الوصول إلى نهاية تناسب كل الأطراف وترضيها. إن سينا وصادا وعينا من المنتمين إلى هذا الطرف أو ذاك لا يمكن للفئات الأقل أن تسمع منهم في حال رغبت الأطراف المتخاصمة إنهاء الأزمة لأنهم صاروا جزءاً من الأزمة، وقالوا خلالها ما يصعب نقضه في نهايتها، وهذا خطأ ما كان ينبغي السماح بالوقوع فيه، فالفئة موضوع الحديث تستخدم عادة كمحرك يعتمد عليه في التهدئة وفي التوصل إلى الحلول المناسبة، لكنها إن تورطت وصارت جزءاً من المشكلة صار صعبا عليها أن تكون أداة معينة على الوصول إلى حل أو أداة تعمل على تهدئة الفئات الأقل وتقنعها بأن النهاية مناسبة وعادلة.
هذه إشكالية مهمة ينبغي الانتباه لها جيداً ووضعها في الاعتبار والتوجيه بجعل هذه الفئة تتوقف عن الذي تمارسه اليوم كي لا تخسرها الأطراف ذات العلاقة بالأزمة لأنها أداة مهمة، ويصعب أن تقوم بدورها المفترض لو أنها تورطت وانحازت إلى قياداتها بالشكل الذي هي فيه الآن، وهذا يعني أن عليها بدلاً عن ذلك أن تمارس دوراً مختلفاً يجعلها فاعلة حين تبرز الحاجة إليها وذلك بالتوقف منذ الآن عن ممارسة دورها الذي مارسته منذ بداية الأزمة. وليس في هذا ما يسيء إلى قياداتها وبلدانها لأن هذا هو دورها الطبيعي ولأن هذه هي مسئوليتها والفعل الذي يؤكد وطنيتها، وهو دور أهم من الدور الذي ورطت نفسها فيه بسبب انغماسها في العواطف والذي هو في كل الأحوال طبيعي ولا يمكن اعتباره شاذاً.
بالتأكيد أن مسؤولية الخروج من هذه الأزمة ليست مسؤولية هذه الفئة وحدها لكن لهذه الفئة دورا أساسا عليها أن تقوم به وأن تستفيد منه الدول أطراف الأزمة.

*كاتب بحريني