عجوز ماليزيا الرائع!!

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٧/يونيو/٢٠١٨ ٠٤:٤٥ ص
عجوز ماليزيا الرائع!!

علي ناجي الرعوي

عاد أسطورة آسيا وباني ماليزيا الحديثة مهاتير محمد إلى السلطة بعد أن غادرها قبل 15 عاماً بإرادته المنفردة وبقرار طوعي منه فرفض التراجع عنه رغم المناشدات الشعبية التي كانت تحثه على البقاء تاركا لمن يخلفه خارطة طريق وخطة عمل اطلق عليها تسمية ( 20-20) وهي ترمز إلى شكل ماليزيا سنة 2020 والتي يفترض أن تصبح معها ماليزيا رابع قوة اقتصادية في آسيا بعد الصين واليابان والهند.. فما الذي جعل الرجل يعود إلى السلطة وهو من خرج منها بقناعته وبموجب إرادته وذلك عن طريق انضمامه للمعارضة على الرغم من أن أغلب قيادات هذه المعارضة على خلافات قديمة معه، وقد سجن البعض منها خلال سنوات حكمه؟ فهل ارتكب الطبيب الذي انقذ ماليزيا من الموت قبل 39 عاماً خطيئة بترشحه وعودته الى الحياة السياسية وهو في عمر الـ 92 عاما؟
بدا هذا الأمر مريبا وغير منطقي للكثيرين فمن سيختار رجلاً في هذا العمر ليدير دولة ويتصدى لموجة الفساد التي بدأت تستشري في ماليزيا؟ بل وكيف لرجل في هذا السن أن ينجح في تقليم اذرع (منظمة الملايو الوطنية المتحدة) والتي لم تكن مجرد حزب أو مجموعة أحزاب سياسية عادية ولكنها من تحولت على مدار 60 عاماً من التفرد بالسلطة الى قوة سياسية واقتصادية واجتماعية يصعب كسرها أو حتى مجرد الوقوف أمامها إلا أن كل هذه العوامل لم تنل من عزيمة مهاتير محمد الذي يمتلك قلبا يحترق على بلده الى درجة أن عجوز ماليزية قد استوقفته في احد الأزقة لتخاطبه وعينها تكاد تذرف الدمع قائلة: وماذا بوسعك أن تفعل أخي مهاتير وأنت في هذا العمر.. إني أخشى أن يسقط البطل في آخر العمر؟
كان مهاتير يعلم جيدا أن كثيرا من الماليزيين الطيبين يشفقون عليه ويخافون إن سقط في هذه الانتخابات أن يفقد الصورة الجميلة التي ارتسمت له في الذاكرة الماليزية ولا شك بأن مثل هذه المشاعر النبيلة كانت تعني له الكثير لكنه لم يدعها تثنيه عن قراره أو تدفعه إلى التنحي عن المسئولية وهو يرى ذلك البلد الذي أراد له أن يصبح العام 2020 القوة الاقتصادية الرابعة في آسيا ينحرف عن سكته ووجهته الصحيحة وهو ما زاده إصراراً على المضي في خوض الانتخابات طالما وما زالت لديه لحظة من العمر يمكن له تسخيرها من اجل إعادة عربات القطار الى سكتها وليمت بعد تلك اللحظة وهو راض عن نفسه..ولأن الرجل لم يتردد أو يهتز طالما وأن الهدف هو إنقاذ ماليزيا فإن شعبه هو الآخر لم يخذله فقد اختاره تكريما واحتراما واعترافا بدوره وتفانيه من أجل بلاده وهكذا هي الشعوب الحية لا تتنكر لأبطالها الأوفياء حتى وان تجاوزوا التسعين.
يدلف مهاتير محمد بوابة القصر الملكي بملامحه الهادئة وابتسامته المعتادة مرة ثانية ليؤدي القسم أمام الملك، ويكلف بتشكيل الحكومة الجديدة بعد فوزه بأصوات غالبية الماليزيين في انتخابات ستظل لسنوات مثار جدل ومقارنة وتحليل حول الرجل الذي عاد ليتصدر المشهد، وهو في خريف العمر وكيف استطاع هذا العجوز الرائع أن يقلب كل المعادلات رأساً على عقب فيخرج جبهة (امنو) من السلطة بعد عامين من استقالته من هذه الجبهة التي حكمت ماليزيا بشكل مطلق منذ الاستقلال عن بريطانيا بل وكيف تمكنت هذه العقلية الفذة من أن تقنع المجموعات الاثنية للتصويت لصالح تحالف الأمل الذي يتشكل من أربعة أحزاب معارضة رغم محدودية تأثيرها في الحياة السياسية ليفوز هذا التحالف وتخسر جبهة الملايو الوطنية المتحدة بنفوذها المتجذر في الواقع الماليزي، وذلك ما كان له أن يحدث من دون شخصية مهاتير الذي عرف بنزاهته وانه الذي ينظر للعمل العام كمغرم وليس كمغنم.
حتى سنة 1981 كان الماليزيون يعيشون في الغابات، ويعملون في زراعة المطاط والموز والأناناس وصيد الأسماك وكان متوسط دخل الفرد أقل من ألف دولار سنويا فيما كانت الصراعات الدينية تضرب بعمق أمن واستقرار المجتمع فدخلت البلاد حرباً أهلية مدمرة استمرت تأثيراتها تتمدد على طول وعرض المقاطعات الماليزية إلى أن جاء مهاتير محمد إلى السلطة فرسم هذا الطبيب والجراح الماهر خارطة طريق لمستقبل ماليزيا حدد فيها الأولويات والأهداف والنتائج التي يجب الوصول إليها وانطلاقا من ذلك فقد أدرك أن التنمية لن تتم إلا بعودة الأمن والسلام فعمل على تحفيز كل المكونات للدخول في حوار مفتوح والاتفاق على تقديم تنازلات متبادلة من قبل الجميع لكي يحل الأمن والاستقرار والتنمية في البلاد ثم اتجه إلى التركيز على أن يكون التعليم والبحث العلمي على رأس كل الاجندة فتم تخصيص أكبر قسم من ميزانية الدولة للارتقاء بالعملية التعليمية والتدريب والتأهيل للحرفيين وإرسال الآلاف من الطلاب الماليزيين للدراسة في أفضل الجامعات الأجنبية قبل أن ينتقل إلى إنعاش قطاع الزراعة بتشجيع المزارعين في أول سنتين على غرس مليون شتلة نخيل زيت كانت هي النواة لان تصبح ماليزيا من أولى دول العالم في إنتاج وتصدير زيت النخيل ليتجه بعد ذلك إلى قطاع الصناعة، والذي حقق طفرة هائلة في صناعة الأجهزة الكهربائية والحاسبات الإلكترونية وهو ما سمح لماليزيا بجذب الكثير من الاستثمارات الخارجية والداخلية التي عززت من اقتصادها الوطني وأكسبته ثقة عالمية.
مهاتير محمد الذي سبق وأن أجريت معه حواراً صحافياً مطولاً لصحيفة الثورة اليمنية التي كنت ارأس تحريرها عن تجربته في الحكم واستراتيجيته في توطين الاستقرار والتنمية بماليزيا حدثني حينها وكان ذلك العام 2010 أي بعد سبع سنوات من تركه للسلطة عن تجربة 21 عاماً قضاها بالحكم اكتشف فيها أن قيادة المجتمعات الإسلامية لا تتطلب فقط حكاما نزهاء ومخلصين وإنما حكاما يجيدون تمثل القيم الإسلامية الصحيحة وليس المنتحلة حتى يحترمهم الناس ويرفعون لهم القبعات ومن هذه الجزئية وحدها عرفت لماذا نجح مهاتير محمد في أن ينتشل بلده من التخلف وأن ينتقل به من بلد مهمل الى دولة حضارية تتربع على قمة الدول الناهضة التي يشار اليها بالبنان والبنيان حتى انه ترك السلطة العام 2003 وقد وصل حجم صادرات ماليزيا الى 200 بليون دولار ودخل الفرد فيها الى 16 ألف دولار سنوياً.
بلا أدنى شك اإن مثل مهاتير محمد من الصعب أن يتكرر في المجتمعات العربية فالرجل متصالح مع نفسه وخالٍ من عقد السلطة، ولذلك لم يكن له خواص الخواص يشيرون عليه، ولم يكن له متحدثاً باسمه وكان وما يزال يتجول في الشوارع والأزقة ويتلقى النقد من معارضيه بكل رحابة صدر ويحترم الصحفيين، ويقول لهم لا تترددوا في انتقادي إذا ما وجدتم أن هناك خللاً ما وبذلك فقد اتقن مهاتير اللغة الإنسانية بكل معانيها وأجاد ترجمة المبادئ الإسلامية الأصيلة عن ظهر قلب وهو ما ساعده على لملمة الأزمات لا صناعتها.

كاتب يمني