
فريد أحمد حسن
أمران يقللان من فرص الفوز والانتصار على الآخر – عدوا كان أومنافساً أو خصماً في أي مجال – ويوفران له الظروف التي تعينه على التقدم والانتصار والفرصة للتسيد؛ الأول هو الاستهزاء بقدراته وإقناع النفس بأنه لو وصل إلى كل ما يمكنه الوصول إليه فإنه لا يمكن أن يبلغ مبلغ القوة التي نحن فيها لأننا الأقوى والأقرب إلى الفوز والنصر دائما ولأن تاريخنا يؤكد هذا وما إلى هذا من أسباب تعيننا على هذا الاعتقاد، والثاني هو التقليل من قدراتنا وإقناع النفس بأننا لو وصلنا إلى كل ما يمكن الوصول إليه فلن نبلغ مبلغ القوة التي فيها الآخر، أي أن الفوز والانتصار عليه من المستحيلات، أما النتيجة في كلا الحالتين فليست في صالحنا وإنما في صالح الآخر، فإن كان هو الأقوى بالفعل واستهزأنا بقدراته وأقنعنا أنفسنا بأننا نحن الأقوى فوجئنا بقوته وبانتصاره وبهزيمتنا على يديه، وإن كان هو الأضعف بالفعل واستهزأنا بقدراتنا وأقنعنا أنفسنا بأننا نحن الأضعف لم يفدنا تفاجئنا بضعفه لأننا دخلنا المواجهة من الأساس ونحن فاقدون لكل أمل فصار هو القوي رغم ضعفه، وصرنا نحن الضعاف رغم قوتنا فانهزمنا.
هاتان حقيقتان ينبغي الالتفات إليهما جيدا ووضعهما في الاعتبار ونحن نتعامل مع الآخر – أيا كان - لو أننا بالفعل نريد أن ننتصر عليه أو نتقدم عنه، فللانتصار والتقدم شروط وظروف - بعضها نفسي - إن لم تتوفر صرنا للهزيمة أقرب بل نكون قد ذقناها.
كمثال عملي يمكن القول بأن الاستهزاء بقدرات إسرائيل – وهو ما يلاحظ أن بعض الفضائيات المهتمة بالسياسة تفعله اليوم بكثرة – يجعلنا نعتقد بأننا أقوى منها ثم نفاجأ بأنها هي الأقوى وأنها هي التي تنتصر، وفي المقابل الدخول في مواجهة مع إسرائيل ونحن نعتقد في قرارة أنفسنا بأنها هي الأقوى في كل الأحوال وأننا نحن الأضعف في كل الأحوال نتيجته المنطقية هزيمتنا من الجولة الأولى. لكن الابتعاد عن هذين الاعتقادين المتناقضين من شأنه أن يعيننا على النظر إلى الأمور بواقعية تمكننا من تقييم قدراتنا تقييما حقيقيا، فلا ندخل في مواجهة مجهولة النتائج منطلقها الاستهزاء بقدرات الآخر أو المبالغة في الإيمان بقدراتنا، فالواقعية هي السبيل إلى توقع النتائج والتمكن من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
بجسمي المتواضع وقلة قدرتي على توجيه اللكمات وقلة خبرتي في هذا المجال لا يمكنني واقعا منازلة شخص أوتي بسطة في الجسم ومتمكن من توجيه اللكمات وخبير فيها، فالجولة بل الجولات ستكون حتما في صالحه لو أنني استهزأت بقدراته وبالغت في قدراتي حتى أقنعت نفسي بأنه الأضعف وأنني الأقوى، والعكس صحيح، والأمر نفسه ينسحب على مختلف المواقف المشابهة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الجيوش والدول.
مواجهات عديدة حدثت في السنوات الأخيرة مع الكيان الصهيوني أثبتت أنه ليس الأقوى دائما وأنه أيضا قابل أن يهزم، لكن هذا لا يعني أنه من الضعف بحيث أننا نستطيع إنزال الهزيمة به في كل مواجهة، ولا يعني أيضا أننا لا يمكن أن نهزمه في مواجهة تالية نتيجة ما يصلنا من دعايات عن تطويره لقدراته. البعض يؤكد أن هذا الكيان تمكن طويلا من إيهام العرب بأنهم لا يمكن أن ينتصروا عليه مهما فعلوا وأنه هو الأقوى دائما فظلوا لهذا السبب يعيشون في حالة الهزيمة ويتجنبون كل مواجهة معه بل ويسعون إلى مهادنته وكسب وده وأن هذا واحد من الأسباب الرئيسة التي دفعت بعض العرب إلى الدخول في اتفاقات السلام معه ودفعت بعضا آخر إلى اتخاذ قرار خفي بالسير في الاتجاه نفسه.
للأسف فإن هذا تحليل صحيح حيث الحرب خدعة ولا يمكن التقليل من أهمية الجانب النفسي فيها وإلا لما كان للإعلام الحربي أي قيمة، والتاريخ يؤكد أن جيوشا في الحربين العالميتين الأولى والثانية ذاقت طعم الهزيمة بسبب تمكن أعدائها من إيهام جنودها بأن الهزيمة في انتظارهم وأنهم مهما فعلوا لن ينتصروا فتمكنوا منهم.
إسرائيل ليست أسطورة وليست هي الأقوى في كل الأحوال، لكنها أيضا ليست هي الأضعف وليست الضعيفة في كل الأحوال. نحن العرب أيضا لسنا الأضعف دائما وفي كل الأحوال لكننا أيضا لسنا الأقوى ولا الأقوياء في كل الأحوال. تقديرنا الصحيح والدقيق لقدراتنا يعيننا على اتخاذ القرارات الصحيحة والمواقف المناسبة والواقعية فلا نغرق في الوهم ولا نذوق طعم الهزيمة في الوقت الذي يمكننا أن نذوق فيه طعم النصر.
هذا الكلام ينطبق أيضاً على قدراتنا في المجالات الأخرى خارج الحروب، فالمتفوقون عقليا ليسوا من الغرب دائما مثلما أنه لا يمكن أن يكونوا جميعهم من الشرق أو منا، والقادرون على تحقيق التقدم ليسوا الغرب وحدهم، والأكيد أن الاستهزاء بقدرات أبنائنا نحن العرب نتيجته المنطقية تفوق الآخر وتمكنه من الإسهام في الحضارة الإنسانية وعدم تمكننا من فعل ذلك رغم أن تاريخنا يشهد لنا بهذا الدور وهذا العطاء.
النظر إلى الأمور بواقعية هو السبيل لعدم التضرر ولتحقيق المكاسب في مختلف المجالات. لسنا الأقوى دائما ولكننا لسنا الأضعف دائما أيضاً، والأخر ليس المتقدم والأكثر منا قدرة دائما ولكنه ليس المتخلف والأقل منا قدرة أيضا. الاستهزاء بقدرات الآخر والمبالغة في التقليل من قدراتنا أو المبالغة في قوتنا نتيجته المنطقية اختلاف الحسابات والتوقعات، فالواقع أمره مختلف.
كاتب بحريني