اطردهم وأغلق الباب..

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٥/مايو/٢٠١٨ ٠٩:١٧ ص
اطردهم وأغلق الباب..

د. لميس ضيف

مَن قال إن علينا أن نحتفظ بكل أصدقائنا؟ ونلتصق حتى بكل أفراد عائلاتنا؟

لست فخورة، ولا خجلة، من الإقرار بأني غيّرت «طقم» أصدقائي غير ذي مرة؛ لا لقلة وفائي، ولم يكن ذلك صنيع شيطان الغضب ولا نمرود المزاجية، كل ما في الأمر أن كثيرا من الصدقات «مكانية» أو «زمانية». وإن كنت من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم مشروعا يجب تطويره والعمل عليه على الدوام ستجد أنك -نفسك- قد تغيّرت تماماً، مرة بعد مرة، فكيف يكون أصدقاء المرحلة هم ذاتهم إن لم يجاروك في رحلة تغييرك الشاقة. وإن كان الود موجوداً والتقدير ما زال محفوظاً للكثيرين منهم إلا أن الحياة أقصر من أن نقضيها في استهلاك نفسنا في علاقات منتهية الصلاحية، تستلب منك ولا تضيف إليك.
وإن سألتموني عن أهم الشخصيات التي تنال «كارت أحمر» لتخرج من ملعبي فسأقول إنهم «مصاصو الطاقة» وهي ترجمة حرفية لـ«energy vampire»، وهم أولئك الذين ينتهي وقتك معهم وأنت مرهق، وقد غشيتك غمامة سوداء. تعرفون جيّدا عمّن نتكلّم، عن تلك الفئة التي ترى في الحياة مآسيها، وتنقل لك أسوأ الأخبار، وترى الشر في عين الخير نفسه والإحباط بروازا لكل شيء، وتذكِّرك بكل مشروع فشل يشبه مشروعك، وتعتبر خيانة الرجال أمرا حتميا، وأن المستقبل حالك والدمار أمر مقضي.
تلك الفئة مقتنعة بأن الشكوى والتذمّر المتواصل «يطرد العين والحسد» فتراهم يشتكون العوز وهم أغنياء، والتعب وهم في راحة مقارنة بغيرهم، ولا يكفّون عن الإشارة لعيوب غيرهم، والتعليق بسلبية على أسلوبك في الحياة أو في التربية أو في إدارة علاقاتك.
فيجب أن تكون مليئا -أنت أيضا- بالثقوب والعيوب كالجميع ليكون لك مكان في لوحتهم الكئيبة.
هؤلاء يجب تغييرهم بلا أسى وطردهم من حياتك بلا تأخير حتى لو كنت تعرفهم مذ كان عمرك يومين؛ فالعلاقات وُجِدت لتدفعك للأمام لا لتسحبك للقاع.
ماذا لو كان «مصاص الطاقة» هذا أباً أو أخاً أو حتى ابناً؟
يكون الأمر أكثر تعقيدا بلا شك، لكن احتواء أثرهم المضر ممكن: بتقليل وقت مجالستهم، وعدم السماح لهم بالاسترسال في الموضوعات التي تفجّر حسهم الكئيب بل قطع الطريق عليهم بمطالبتهم بالحمد أو تذكيرهم أن المرء كل يوم في شأن، والأهم من كل هذا وذاك التعبئة لاستقبالهم، ووضع درع عند الخوض معهم بحديث كي لا يدمّروك بسلبيتهم ويمتصون طاقتك ويسممون يومك.
أما إن كنت أنت نفسك من ملوك الدراما، ومن مصاصي الطاقة، فعالج نفسك وإن لم تستطع فابحث عمّن يساعدك ليمد لك الحبل لتصبح قبسا في حياة من حولك لا فوهة تحرق طموحاتهم والبريق في أعينهم.

lameesdhaif@gmail.com