الطريق الطويل للنووي

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٠/مايو/٢٠١٨ ٠٩:٤٥ ص
الطريق الطويل للنووي

راميش ثاكور

كانت لحظة حاسمة للنظام النووي العالمي. أمس ألغى ترامب الاتفاق النووي مع إيران وأعاد فرض العقوبات. وبعدها بأسابيع معدودة، يُنتظر أن يلتقي ترامب زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون في قمة ستكون لها تداعيات على البرنامج النووي لتلك الدولة.
ومن المرجح أن تعاني الجهود الرامية لنزع السلاح النووي نكسات قبل انقضاء الشهر، نظراً لمجموعة المستشارين الصقور التي تحيط بترامب ــ أمثال وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون. ولهذا السبب، بات مهما أكثر من ذي قبل أن يدعم المجتمع الدولي التزامات المعاهدات القائمة، بدءا من معاهدة منع الانتشار النووي المبرمة العام 1968. لكن تحقيق ذلك يستلزم خوض محادثات صعبة.
دائما ما تكون الاتفاقيات متعددة الأطراف عرضة لثغرات في التطبيق، وهو ما ينطبق على النظام الدولي لمنع الانتشار. فمثلاً نجد أنه رغم عدم توقيع إسرائيل والهند على معاهدة منع الانتشار، تعتبر كلتاهما عضوتين مسؤولتين في النادي النووي. ولم تعاقَب إسرائيل قط على قنبلتها، كما تحظى الهند بإعفاء من مجموعة الموردين النووين، فضلاً عن توقيعها العديد من الاتفاقيات النووية المدنية مع الولايات المتحدة وأستراليا وكندا واليابان.
على الجانب الآخر، نجد أن هناك تغاضياً عن أسلحة باكستان النووية وإن كانت غير مقبولة، فيما يُنظر إلى التسلح النووي الذي تنفذه بالفعل كوريا الشمالية على أنه أمر لا يمكن التسامح معه، أما برنامج إيران النووي، فقد تم تقييده قبل نجاحه في تطوير سلاح.
وفي ظل هذا الإطار المعيب، أصيبت دول كثيرة بالإحباط بسبب رفض المُوقعين على معاهدة منع الانتشار النووي مناقشة مسألة نزع سلاحهم النووي. ورغم إلزام المادة السادسة من معاهدة منع الانتشار النووي أطرافها بمواصلة المفاوضات "بنية حسنة" لتحقيق منع الانتشار، فإن الدول النووية المصدقة على المعاهدة لا تفسر هذا على أنه حظر يمنعها من امتلاك ترسانة نووية. بل إنها تحتج بأن خفض الأسلحة النووية من شأنه أن يضعف الأمن العالمي، معتمدين في ذلك على عقيدة الردع.
وربما لم يكن مفاجئا أن ترى الدول غير النووية الأشياء من منظور مختلف. وفي العام الفائت، وضعت هذه الدول رؤاها في معاهدة تكميلية تبنتها الأمم المتحدة. فقد أصبح عدد الدول الموقعة على معاهدة حظر الأسلحة النووية اليوم 58 دولة، كما صدقت عليها ثماني دول، وستسهم في حظر استخدام الأسلحة النووية، أو التهديد باستخدامها أو حيازتها، حال وضعها موضع التنفيذ.
وتعد معاهدة حظر الأسلحة النووية، والمشهورة "بمعاهدة الحظر"، خطوة مهمة نحو إرساء قاعدة دولية جديدة. كما تمثل أيضا نتاجاً منطقياً لإخفاقات معاهدة منع الانتشار. لكن نظراً لتجاوزها معاهدة منع الانتشار من وجهين أساسيين، فقد فجرت معارضة شديدة، حيث تمنع معاهدة الحظر ما يسمى بمعاهدات التشارك النووي، التي تمكن حلفاء الدول النووية من تخزين أسلحة على أراضي تلك الدول، فضلاً عن تقويض معاهدة الحظر منطق الردع بتجريم "التهديد باستخدام" الأسلحة النووية.
وإذا أردنا الإبقاء على النظام العالمي لمنع الانتشار حياً قابلاً للتطبيق، فلابد من التوفيق بين الرؤى المتعارضة التي تعكسها معاهدة منع الانتشار ومعاهدة الحظر. ولتحقيق ذلك، ينبغي للمجتمع الدولي الاتفاق على استراتيجية لإرساء نظام عالمي يساعد بموجبه تخفيض المخزون الاحتياطي من الأسلحة النووية على تعزيز الأمن الإقليمي والعالمي لا تعريضه للخطر.
لا شك أن المناقشات بشأن هذا الأمر ستكون شاقة، لكن البديل سيكون أسوأ بكثير من جرح كرامة البعض. وقد أشار بعض الخبراء إلى أن المعارضة الشديدة لمعاهدة الحظر قد تفجر رد فعل عنيفا من الدول التي تنامى إحباطها من معاهدة منع الانتشار، مما قد يؤدي إلى انسحاب واسع من معاهدة العام 1968. ولا ريب أن مثل هذا الأمر ينطوي على مردود عكسي رهيب. فهو لن يؤدي فقط إلى زعزعة النظام النووي القائم وزيادة شعور دول كثيرة بعدم الأمان، لكنه أيضا سيعمق تشبث الدول المسلحة نوويا بالقنابل التي تمتلكها بالفعل.
ورغم ما يشوبها من عيوب، كانت معاهدة منع الانتشار سبباً في استقرار نووي دام أعواما. وحتى الدول التي رفضت التوقيع على المعاهدة كان لها دور في بقائها، سواء أُبرمت معاهدة الحظر أم لم تبرم، نظرا للتداعيات الخطيرة على الأمن العالمي التي قد تنجم عن انهيار معاهدة منع الانتشار. لذا، يجب على كل الأطراف الإسراع بإعادة اكتشاف مصلحتهم المشتركة في تنفيذ نزع نووي عملي وفعال.
ويمكن الجمع بين المعاهدتين في إطار يحد من التهديدات النووية في الأمد القريب، ويخفض عدد الأسلحة النووية في الأمد المتوسط، ويطمح للتخلص من الأسلحة النووية بصورة تامة، قابلة للتحقق وغير قابلة للتراجع على المدى البعيد. وقد رسمت اللجنة الدولية المعنية بمنع الانتشار ونزع السلاح النووي هذا النهج العام 2009، ويجب علينا إحياء نسخة منه اليوم.
سيتضح مصير الاتفاق النووي مع إيران خلال الأسابيع المقبلة، وانسحاب ترامب منه بمثابة مؤشر لوفاة هذا الاتفاق على الأرجح. لكن بغض النظر عن مصير البرنامج النووي لإيران أو كوريا الشمالية، فإن إضعاف معاهدة منع الانتشار النووي ــ التي شكلت أساس النظام النووي العالمي لنصف قرن ــ يمثل التهديد الأكبر بين جميع التهديدات.

مساعد سابق لأمين عام الأمم المتحدة، ويشغل حالياً منصب مدير مركز منع الانتشار النووي ونزع السلاح التابع للجامعة الوطنية الأسترالية.