الدروس السياسية العشرة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ١٠/مايو/٢٠١٨ ٠٩:٤٤ ص
الدروس السياسية العشرة

هارولد جيمس

منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية سنة 1949 يتذكر الألمان بقلق انهيار جمهورية فايمار في أوائل الثلاثينات من القرن الفائت وصعود النازية ولكن مع تزايد الضغوطات على العديد من ديمقراطيات العالم وتصاعد السلطوية فإن دروس تلك الحقبة يجب أن يتم الاستفادة منها في أماكن أخرى كذلك.

لنبدأ بحقيقة أن الصدمات الاقتصادية- على سبيل المثال دوامة التضخم والركود وأزمات البنوك –هي تحديات لكل الحكومات في كل مكان وزمان فانعدام الأمان الاقتصادي والمصاعب تقنع الناس بأن أي نظام يجب أن يكون أفضل من النظام الحالي وهذا درس واضح ليس من سنوات فايمار فحسب، بل أيضا من أبحاث كثيرة عن المنطق الاقتصادي للديمقراطيه.

إن الدرس الثاني المهم هو أنه تحت ظل ظروف اقتصادية قاسية فإن التمثيل النسبي يمكن أن يجعل الأمر أكثر سوءاً فعندما يكون المشهد السياسي في بلد ما مجزأ ومشتتاً فإن من المرجح أن التمثيل النسبي سيؤدي إلى غالبية انتخابية غير متجانسة تضم في العادة أحزاب من أقصى اليسار وأقصى اليمين تريد رفض «النظام» ولكنها لا تتفق على أي شيء آخر يذكر.
إن الدرسين أعلاه معاً يشكلان الحكمة التقليدية بين المختصين في العلوم السياسية فيما يتعلق بتجربة فايمار ففي كثير من الأحيان عندما يتم النظر لكل درس بمعزل عن الآخر فإن ذلك يؤدي إلى إحساس خطير بالثقة الزائدة عن الحد. إن الطرح الأول يعطي الناس شعوراً زائفاً بالأمان بحيث يعتقدون أن أزمة اقتصادية خانقة فقط يمكن أن تهدد النظام السياسي والطرح الثاني يقود الناس للافتراض الخاطئ بأن الأنظمة التي لا تعتمد على التمثيل النسبي هي في الأصل أنظمة أكثر قوة.
وحتى نكافح الثقة الزائدة عن الحد فإن من المفيد أن ننظر للدروس الثمانية الأخرى من حقبة فايمار. أولاً، الاستفتاءات خطيرة وخاصة عندما يتم استخدامها بشكل نادر ولا يتمتع الناخبين بالكثير من الخبرة تجاهها ففي جمهورية فايمار، اختفى الاشتراكيون القوميون فعليا بحلول سنة 1929 ولكن في ذلك العام تمكن الحزب من إعادة ترسيخ نفسه من خلال المشاركة في الحملة الخاصة بالاستفتاء الذي كان موضع منافسة شرسة وكان يتعلق بإصلاحات ما بعد الحرب العالمية الأولى.
ثانيا: إن حل البرلمانات بشكل سابق لأوانه عندما لا يتطلب القانون ذلك ينطوي على أقل تقدير على مخاطر فحتى التصويت الذي يوفر الأساس لانتخابات جديدة يمكن تفسيره على أنه اعتراف بأن الديمقراطية قد فشلت وفي يوليو 1932، فاز النازيون بأكبر حصة من الأصوات (37%) في انتخابات حرة وإن كانت غير ضرورية من الناحية القانونية. لقد تم إجراء الانتخابات الفائتة قبل ذلك التاريخ بأقل من عامين وكان من المفترض عدم إجراء انتخابات أخرى حتى سنة 1934.
ثالثا: إن الدساتير لا تحمي النظام بالضرورة فدستور فايمار والذي تم صياغته من قبل أفضل الخبراء من حيث النظرة الثاقبة والأخلاقية (بما في ذلك ماكس فيبير) قد وصل تقريباً لدرجة الكمال ولكن عندما تحصل أمور غير متوقعة – سواء كانت حالات دراماتيكية تتعلق بالسياسة الخارجية أو اضطرابات داخليه- فإنه يتم تفسيرها على انها حالات طارئة تتطلب إطارا قانونيا إضافيا مما يعني أن أوجه الحماية الدستورية قد تتآكل بسرعة علما أن أعداء الديمقراطية يمكنهم إثارة مثل تلك الأحداث والدرس الرابع المماثل هو أن جماعات الضغط التجارية يمكن أن تلعب دوراً مؤذياً خلف الكواليس من اجل تقويض أي اتفاق بين القوى البرلمانية.
خامسا: إن الثقافة السياسية التي يعمل بموجبها القادة على شيطنة خصومهم تؤدي إلى تآكل الديمقراطية وفي جمهورية فايمار بدأ هذا النمط قبل أن يصبح النازيون قوة معتبرة ففي سنة 1922 تم اغتيال وزير الخارجية والتر راثينيو بعد أن تعرض لحملة مكثفة من الكراهية والتي يشوبها معاداة السامية من اليمين القومي، وبعد ذلك بوقت قصير خاطب المستشار جوزيف فيرث وهو كاثوليكي من يسار الوسط أحزاب الجناح اليميني في البرلمان وقال: «الديمقراطية –نعم ولكن ليس مثل هذا النوع من الديمقراطية التي تضرب على الطاولة وتقول: نحن الآن في السلطة «وختم تحذيره بالإعلان ان العدو هو على اليمين» وهو تصريح لم يؤد إلا إلى إشعال نيران القبلية بشكل أكبر.
سادساً، يمكن أن تكون عائلة الرئيس خطرة ففي فايمار تم انتخاب المارشال الطاعن في السن بول فون هيندربيغ رئيسا سنة 1925 وأعيد انتخابه سنة 1932 ولكن بحلول بداية الثلاثينات وبعد عدة سكتات دماغية بسيطه،أصبح يعاني من الخرف وبدأ ابنة الضعيف وغير الكفؤ أوسكار بالتحكم بمن يصل لوالدة والنتيجة انه قد قام بالتوقيع في نهاية المطاف على كل الاتفاقيات التي تم تقديمها له.
سابعا: إن المجموعة المتمردة لا تحتاج لأن تتمتع بأغلبية إجمالية للتحكم بالمشهد السياسي وحتى في ظل نظام تمثيل نسبي. إن أكبر حصة من الأصوات تمكن النازيون من الحصول عليها كانت 37% في يوليو 1932 وفي انتخابات اخرى اجريت في نوفمبر من العام نفسه انخفضت نسبة دعمهم الى 33% وللأسف ذلك الانخفاض أدى الى أن الأحزاب الأخرى قللت من شأن النازيين واعتبرتهم شريك ممكن في الائتلاف.
ثامنا: يمكن للزعماء البقاء في السلطة عن طريق رشوة الشعوب غير الراضية لبعض الوقت ولكن ليس طيلة الوقت ففي حقبة فايمار وفرت الدولة الألمانية وبسخاء السكن البلدي والخدمات الحكومية المحلية والدعم الزراعي والصناعي بالإضافة الى أعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين ولكنها قامت بتمويل تلك النفقات عن طريق الديون.
في واقع الأمر كانت جمهورية فايمار تعطي انطباعا في البداية بأنها اقتصاد معجزة وفقط في مرحلة لاحقة تأزم المشهد السياسي الألماني عندما سعت الحكومة للحصول على دعم خارجي ولقد وجدت البلدان الأخرى أن من الصعوبة تصديق تحذيرات الحكومة بأنه من دون مساعدة سريعة فإنه سيترتب على ذلك كارثة سياسية علما أنة الموضوع الأكثر صعوبة بالنسبة لتلك البلدان هو إقناع ناخبيها بتقديم المساعدات المالية لإنقاذ ألمانيا.
إن من المفترض في كثير من الأحيان بأن البلدان التي فيها أنظمة انتخابية تعتمد على الأغلبية مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية أو المملكة المتحدة هي اكثر صلابة ومرونة من البلدان التي يوجد فيها أنظمة تمثيل نسبي ففي واقع الأمر فإن الديمقراطيات في أمريكا وبريطانيا هي اقدم مع ثقافات راسخة من الكياسة السياسية.
في واقع الأمر فإن تلك الأنظمة كذلك يمكن أن يصيبها الوهن والضعف مع مرور الوقت فعلى سبيل المثال فإن مدى اعتماد اقتصاد بلد ما على المدخرات الأجنبية (نقود أناس آخرين ) يمكن أن يكون غير ذي صلة سياسياً خلال فترات طويلة ولكن مع وجود نسب عجز متوقعة في الحساب الجاري لهذا العام تصل الى 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة الأمريكية و3% في المملكة المتحدة فإن ساعة الحساب قد تأتي وخاصة عندما تؤدي الانعزالية القومية بين الناخبين الأمريكيين والبريطانيين الى حصول حالة من عدم الرضا بين الدائنين الأجانب لهما.

أستاذ التاريخ والشئون الدولية في جامعة برينستون، وأستاذ التاريخ لدى معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا.