
أ.د طارق الحبيب
من البديهيات أن يختلف الناس في ردود أفعالهم إزاء المواقف المتشابهة، وتعكس ردود أفعال كل شخص أسلوبه في التفكير ومستوى إدراكه للواقع ومدى تقديره الشخصي للعواقب.
ويمرّ البعض خلال أزماته بزملة من أعراض مختلطة من الحزن والتوتر وعدم الاستقرار، وبالرغم أن هذه الأعراض تعتبر مقبولة وطبيعية إن كانت شدتها لا تعيق حركة الفرد الاجتماعية والمهنية والشخصية، وإن كانت لا تتجاوز الأيام أو أحيانا السويعات، إلا أن حدتها واستمرارها قد يجعل الفرد ضمن حدود الاضطراب النفسي.
ويعتبر الاسترسال في التفكير السلبي هو بوابة الدخول للأزمة النفسية الحقيقية؛ ذلك لأن تشويه الحقائق معرفياً وتضخيمها والتركيز على الجوانب السيئة يزيد من حجم القلق ويقلل من قدرة الفرد على التحمّل.
كما أن الاسترسال في لوم الظروف والحسرة على الذات وكثرة التشاكي وقلة التوجهات العملية الصحيحة والمناسبة يعمّق معنى الألم ويشعر الفرد بالإحباط ويضيق عليه المخارج الملائمة لحل مشكلاته.
إن الأزمة الحقيقية لا تتمثل في نوع الضغط وشدته، وإنما تتمثل في ضعف قدرة البعض على مواجهة مشكلاته، كما تتمثل في عدم استعداد البعض وتقبله للأزمات والضغوط والنظر إليها على أنها كوارث تشل حركته وتبدد طموحه وآماله.
ولا شك في أن تخاذل الإنسان عن حل مشكلاته والاستسلام لمشاعر القلق والحزن والإحباط يولّد في ذاته صراعا يبدد طاقاته الفكرية والنفسية ويفقده القدرة على مواصلة حياته بالكيفية المناسبة.
لقد اعتاد البعض التركيز على المشكلة دون الاهتمام بحلها، وهذا ما يجعل حجم المشكلة يتضاعف.
إننا نجد في حياتنا اليومية من يعيش الصراع بشكل دائم ومستمر وذلك لأنه لا يقدر على رؤية قدراته ومهاراته ونقاط قوته التي تعينه على ضبط انفعالاته واستثمار معارفه، بل هو ينظر لذاته نظرة العاجز عن خوض مشاكل الحياة وأزماتها.
في الحياة أنت لا تحقق كل ما تريد والطبيعي أن تواجهك العقبات وتتولّد العوائق في طريق الإنجازات، لذا كان لزاماً على الفرد أن يكن له وسائل تدعيمية مساندة لتحسين وسائل تواصله مع مجريات ومتغيرات الحياة.
والناضج من يبدأ بمعالجة ذاته من التحايل والتهرّب من مواجهة ما يصادفه من مواقف تستثير قلقه وحزنه وانزعاجه.
إن النظر لمواقف الإحباط على أنها محكات وخبرات لتطوير ردود الأفعال يستنهض ما لدى الشخص من خطط منهجه وأفكار منظمة لإدارة حياته بأفضل طريقة ممكنة.
إن الركون للمشاعر السلبية يجعل الفرد في دائرة مرفوضة من الندم والشعور بالوهن النفسي، لذلك فإن استبصار الفرد بحجم ما لديه هو الداعم النفسي الأول لتدبير أموره الحياتية بحكمة وروية تحقق له ما يريد.
استشاري الطب النفسي في مركز مطمئنة في مسقط، الأمين العام لاتحاد الأطباء النفسيين العرب