الاستشاري الكسول

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٧/مايو/٢٠١٨ ٠٥:٤٢ ص
الاستشاري الكسول

سمعان كرم

عندما يجلس الاستشاري في مكتبه، للإشراف على تنفيذ مشروع من المشاريع، ماذا يفعل طيلة النهار؟ خصوصاً وإذا كان المشروع في منطقة نائية عن العاصمة مسقط. يسهر، عند وضع مستندات المناقصة، على توفير جميع أسباب راحته فيدخل فيها خدمات يقدمها له المقاول خلال فترة التنفيذ وحتى بعدها خلال فترة الصيانة. تحت بند خاص من العقد يقدم له المقاول السكن اللائق والأكل الشهي والمياه العذبة والسيارة الفخمة والهاتف الذكي والمشروبات الخالية من الكحول والتلفاز الملَون.

كما يهتم موظفو المقاول بنظافة منزل ومكتب المهندس المشرف ويؤمّنون له الطاقة، والحاسوب المربوط بالشبكات العالمية وخدمات الصرف الصحي والصيانة. كل ذلك يقدّمه المقاول على حساب المالك. تكلفة عالية يدسّها خلسة الاستشاري في العقد ولا يبالي بها كثيراً رب العمل صاحب المشروع. وإن لم يعجبه مستوى الخدمة، انتقم إما بتأخير الموافقات أو بتأجيل الدفعات والمستحقات.
لكن لو غضينا النظر عن رفاهيته وأهميتها وكلفتها وعدنا إلى السؤال الأول وهو ماذا يفعل هذا الكسول طيلة النهار. ويكون السؤال الأهم: ماذا لا يفعله هذا العبقري الذي أتى من أقاصي الأرض ليعلمنا وينقل لنا المعرفة؟ اهتمامه الرئيس هو أن يرضى صاحب المشروع ليس بحل الصعوبات أو التحديات التي تواجه تقدم العمل، بل بالتشدد على المقاول عن طريق صياغة الرسائل الوعظية واستعمال العبارات الرنانة والطنانة التي تفرح المالك وتعطي الانطباع أن المهندس يقوم بحماية المصالح العامة خير حماية حتى ولو كان ظلماً على الغير. بعد إعداد الرسالة ومراجعتها خمس مرّات تشتد فيها اللهجة أكثر كل مرة، ينصرف إلى اللعب على حاسوبه وهاتفه طيلة النهار. وعندما يعود بعد استراحة وجبة الغداء وقد أخذ قيلولة طويلة يظهر على الموقع وقد لبس نظارات سوداء تقيه من حرارة الشمس التي تزعجه فينصب غضبه على العمال والمشرفين عليهم. يتمتع بحصانة مطلقة بموجب الشروط العامة للمباني وأعمال الهندسة المدنية التي اعتمدتها وزارة المالية منذ 1983 ولم تتغيّر إلا قليلاً العام 1999. فيرمي كافة المسؤولية على المقاول.
من القرارات المهمة التي اتخذها مجلس المناقصات الموقر بالتنسيق مع جهات حكومية أخرى هي نسبة التعمين على المشروع، وإسناد نسبة من الأعمال (10 %) إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإعطاء الأفضلية للمنتج المحلي إلى ما هنالك من إجراءات تعزز القيمة المحلية المضافة. من المسؤول عن الإشراف على تطبيق بنود العقد؟ الاستشاري أولاً. كيف يتم تطبيق تلك القرارات في القطاعات الناجحة مثل قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات وغيرها؟
تبدأ العملية عند تحضير مستندات المناقصة. يدخل فيها الاستشاري فصلاً خاصاً بشؤون القيمة المحلية المضافة (In-Country Value-ICV). يتضمن الفصل خمسة أبواب: التوظيف المباشر للقوى العاملة الوطنية، استعمال المنتجات المحلية التي تصنع في عُمان وليس التي يستوردها تاجرٌ محليٌ، الأعمال المسندة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، تدريب العاملين العُمانيين فوق رأس العمل، وأخيراً المسؤولية الاجتماعية. قبل تقديم العروض يضع كل متنافسٍ تصوُّراً لتحقيق متطلبات البنـــود الخمســـة يضع جدولاً بوظائف العُمانيين وأعدادهم وقيمة المعاشات التي ستُدفع لهم خلال فترة العمل على المشروع، ويضع لائحة بالمنتجات المحلية وكمياتها المطلوبة وقيمتها، ويصنف الأعمال التي ستسند إلى المقاولين المحليين من الباطن ويذكر قيمتها ويذكر أخيراً مبالغ التدريب والمسؤولية الاجتماعية التي أدخلها في عرضه فتكون الصورة واضحةً منذ تقديم العروض. كما أنه يضع جدولاً زمنياً لصرفها يتناسب مع جدول تقدم الأعمال.
بالطريقة هذه تسهل عملية مراقبة التنفيذ. عند تحضير الكشوفات الشهرية لتحديد مستحقات المقاول تقاس نسبة القيمة المحلية المضافة وتضاف إلى الكشف. هذا ما يفعله الاستشاري المسؤول الذي يعي واجباته وليس الاستشاري الكسول المنشغل براحته.
المؤسف هو أننا في أكثر الأحيان، نعيّن استشاريين ولا يصار إلى مساءلتهم بأي شيء سوى التأكد من أنهم يوجهون التوبيخ والانتقادات والملامة إلى المقاول. هم يغطون الاستشاري عن جهلٍ أو كسل وهو يغطيهم ويغطي نفسه. يصب نار غضبه عليه، أي على المقاول، مشوهاً سمعته ومنتقصاً لحقه. ويخرج هو بريئاً وبعيداً عن الشبهات والمسؤولية. يرى القشة في عين المقاول ولا يرى جذع الشجرة الذي في عينه هو.
لنعيد البحث عن طريقة ناجحة نختار فيها الاستشاري الكفؤ والعادل والعالم بمسؤولياتها والقابل للمساءلة، ليس فقط بأمور الجودة والمواصفات بل أيضاً بالأمور الوطنية العريضة.