
محمد محمود عثمان
moheedosman@yahoo.com
بأي حال عدت يا عيد، بما مضى أو أمر فيه تجديد؟ ننقل هذا عن الشاعر المتنبي حينما لا يستجد جديد مع كل عيد، وهذا ينطبق على الاحتفالات بعيد العمال في معظم الدول العربية، ولا أبالغ إذا قلت والأوروبية أيضا، خاصة أن معظم العواصم الغربية قد شهدت مظاهرات واحتجاجات في يوم عيد العمال لعدم تحقيق مطالبهم، فيما يتعلّق بمعالجة قضايا انخفاض الأجور والبطالة وإجراءات التضييق الحكومية على العمل النقابي، وإقصائهم من المشاركة في صنع القرار السياسي، وإن كنا على الصعيد العربي نجد تميزا بأننا نفسح لهذه المناسبة مساحات واسعة في وسائل الإعلام للحديث عن عيد العمال ومشاركة العالم بهذه المناسبة، بدون التطرّق إلى المشكلات الجوهرية المتجذّرة عربيا، وبدون الاقتراب منها أو التهويم حولها، على الرغم من الاهتمام الرسمي بهذه المناسبة، حيث يعتبر هذا اليوم إجازة رسمية في 107 من دول العالم، ولكن وآه من لكن، حينما نسأل عمّا هو الجديد الذي تحقق للعمال في هذا العام؟
حيث يسعى عمال العالم إلى إيجاد علاقات عمل عادلة ومتوازنة بين العامل وصاحب العمل، تحقق التوازن في الحقوق والالتزامات بين الطرفين ليحصل كل طرف من خلالها على حقوقه، ويلتزم بأداء واجباته تجاه الطرف الآخر، وبما يحقق الاستقرار في علاقات العمل، وإحداث التوازن في الحقوق والواجبات بين الطرفين، بما يسهم في دفع عجلة الإنتاج وزيادة الإنتاجية وتنمية الاقتصاد، ولكن المؤلم عربيا أن هناك اتفاقيات عمالية دولية تمت المصادقة عليها ولم تفعّل، وأخرى تنتظر المصادقة منذ سنوات طويلة، تتعلّق بمعايير العمل الدولية، وكلها تصب في صالح العمل والعمال، وهذه تحديات كبيرة أمام المنظمات النقابية العمالية ومنظمتي العمل العربية والدولية، خاصة مع احتفالات العالم بيوم العمال العالمي، لزيادة فرص التشغيل، والحد من الهجرة غير المشروعة، وتبادل المعلومات ومدى تأثيرها في تنظيم أسواق العمل، والمحافظة على أرواح العمال المهاجرين؛ لأنه من المؤسف أن يحدث ذلك في ظل وجود آلاف المهاجرين من العمال العرب يموتون يوميا على شواطئ أوروبا، بعد أن أعياهم البحث عن العمل الشريف وافتقارهم إلى أي نوع من الرعاية الاجتماعية والصحية والإنسانية، ومن المؤسف أيضا أن كل ما تقدّمه منظمة العمل العربية في المؤتمرات الدولية هو التهنئة الصادقة للعمال العرب بمناسبة الاحتفال بيوم العمال العالمي، والإشادة بفضل الطبقة العاملة وإسهاماتها المتميّزة في بناء أوطانها وازدهار مجتمعاتها بالبذل والعطاء، بالإضافة إلى دعمها وتعزيزها المتواصل لصيانة الحقوق والحريات النقابية لإيجاد حركة عمالية عربية قوية ومتماسكة ولا شك أن هذه العبارات الجوفاء لا تغني ولا تسمن من جوع، حيث أغفلت المنظمة تماما ولو بالإشارة إلى مأساة العمال العرب الذين يلقون حتفهم يوميا في محاولات متكررة للوصول إلى أوروبا أرض الأحلام، وأغفلت كذلك مشكلة آلاف العمال الذين فقدوا وظائفهم بعد قيام شركات القطاع الخاص بتسريحهم بعد تراجع أسعار النفط، وأيضا الذين تم تخفيض رواتبهم، الأمر الذي يستدعي تحركاً لمواجهة هذه المشكلات بعد أن عجزت القوانين عن كبح جماح الشركات في التسريح بدون رقيب أو حسيب، مما صعّد الأزمة بين العمال المفصولين والحكومات حول عودة المفصولين من الشركات بشكل تعسفي وحتى الصادر لهم أحكام قضائية بعودتهم للعمل، أو العمل على سرعة صرف بدل بطالة حتى يتم تأهيلهم وتوظيفهم، خاصة أن النقابات العمالية العربية لا زالت في مهدها ولم تستطع التعرض لذلك، أو أن معظمها قابع في أحضان السلطات، أو لأن المشكلة أكبر من خبرتهم أو تجاربهم أو قدرتهم أو إرادتهم أو لكل ذلك؛ لأن سوق العمل العربي يفتقد إلى آلية نشطة وفعّالة، لتطوير التشريعات العمالية بين الحين والآخر، حتى تتواكب مع مستجدات العصر، ولا سيما مع تخلّف قوانين العمل العربية وعدم توافقها مع المعايير الدولية في الحقوق والواجبات وحرية العامل في الانتقال إلى عمل آخر، بعيدا عن القيود التي تفرضها التشريعات التي لم تتخلص من نظام الكفيل المطبق في البلاد العربية دون غيرها من بلاد العالم، الذي يتعارض من الشرائع ومع حقوق الإنسان، وتقاعس وزراء العمل العرب والمسلمين عن مواجهته، وهذه مشكلات ليست جديدة، وليست غائبة عن المسؤولين عن قطاع العمل العربي، على الرغم من تناولها في الكثير من وسائل الإعلام الغربية، وهي مادة أساسية في تقارير منظمات حقوق الإنسان في كل المحافل الدولية، وتمثل نقاط ضعف في مواجهة الدول الكبرى عندما تريد الضغط على الحكومات، فتفتح لها ملفات حقوق الإنسان، وتهديدها بفرض العقوبات، لذلك نتمنّى ألا نظل في كل عيد للعمال نردد مقولة المتنبي ”عيد بأي حال عدت يا عيد.. بما مضى أو أمر فيه تجديد؟».
محمد محمود عثمان
moheedosman@yahoo.com