
علي بن راشد المطاعني
في الوقت الذي تحتفل فيه السلطنة بيوم العمال في مطلع مايو من كل عام، كمناسبة عالمية تحيي فيها الدول العمال على جهودهم ودورهم في عملية البناء والتشييد ولتعزيز معنوياتهم، نفاجأ ببعض الشركات هذا العام تحتفل بطريقتها الخاصة بهذه المناسبة، وذلك عبر تقديم باقة عطرة من أزاهير التسريح الجماعي للعمال في مثل هذه الأيام وللأسف تحت غطاء قانوني وبدون حماية اجتماعية، الأمر الذي يقلقنا جميعاً إذا استمرت الأمور على هذا المنوال بدون حلول طويلة المدى تأخذ بكل المسببات الداعية إلى استقرار القوى العاملة الوطنية وإيجاد نظام تحفيزي يضمن قلة دورانها وتقنين التسريح من جانب الشركات برفع معايير التعمين في المناقصات الحكومية ومكافأة الشركات الملتزمة بتمكين الكوادر الوطنية وإيجاد المزيد من الضمانات للكوادر الوطنية لاستقرارها في القطاع الخاص باعتباره هو الحاضن للعمالة الوطنية على المدى العاجل والمتوسط والطويل.
لا شك أن يوم العمال الذي يصادف الأول من مايو من كل عام مناسبة عمالية كغيرها من المناسبات التي يجب أن نجتر فيها أهمية شرائح العمال في كافة قطاعات الدولة ومؤسساتها ونحيي عبرها هذه الفئات التي تعمل بصدق وتجرد ونكران ذات لرفع شأن البناء وعلو الصروح، وتحتاج منا إلى لفتة حانية وتقدير كبير لما يبذلونه من جهود ولما يواجهونه من ضغوط على كافة الأصعدة بمزيد التعزيز والتحفيز وتوفير سبل الأمان الوظيفي ومتطلباته.
إن الجهود التي تبذلها وزارة القوى العاملة في معالجة إشكاليات الاستغناء عن القوى العاملة من خلال التشريعات التي تلزم الشركات بتحويل القوى العاملة لمواقع أخرى لديها أو تحويلها للشركات التي رست عليها المناقصات والعقود والتوفيق بين الشركات والكوادر الوطنية، فضلا عن سن التشريعات والأطر والضغط بالآليات لتوفير الاستقرار للقوى العاملة الوطنية وغيرها من الجهود المنظورة وغير المنظورة تحظى باهتمام من أعلى المستويات بالوزارة، إلا أن هذه الجهود وحدها لا تكفي إذا لم يكن هناك جهد مواز من بعض الجهات الحكومية المختصة لمساندة الوزارة في جهودها، ومن الشركات نفسها بل بقناعات لدى أربابها بأهمية استقرار القوى العاملة الوطنية وتمكينها وتهيئة الظروف لها، فليس دوماً الضغط والصراع والأخذ والرد والشد والجذب هو الحل في مثل هذه الجوانب خاصة الشركات الكبيرة والقادرة على إيجاد الحلول لمثل هذه الإشكاليات، بسبل عدة كالإحلال ورفع نسب التعمين والتأهيل والتدريب ونقل بعض الكوادر لبعض المواقع وغيرها من الحلول، التي بلا شك ستكون مقدرة من الحكومة ورصيدا لمنح أعمال أخرى وتمييز عن غيرها من الشركات، فالجهات الحكومية ليست بغافلة عن هذه الجوانب وسيتم تفعيلها.
وعلى الجانب الآخر يبذل اتحاد عمال سلطنة عُمان والاتحادات العمالية القطاعية جهوداً في معالجة إشكاليات تسريح الكوادر الوطنية في توضيح الكثير من الحقائق التي تجحف في حق المواطنين العاملين في مختلف قطاعات العمل، والعمل على إقناع القوى العاملة الوطنية بتقديم تنازلات وتوفيق أوضاعهم وتقديم حلول لإضفاء المزيد من الاستقرار للقوى العاملة الوطنية واستدامتها في القطاع الخاص، إلا أن هذه الجهود أيضا وحدها لا تكفي إذا لم تجد تفهماً من أرباب العمل بمشروعيتها وأهمية هذه الاتحادات في حماية حقوق العمال وما تبذله من توازنات مهمة في إدارة الحوار ومعالجة المشكلات، فلا يجب أن ندع هذا الملف مفتوحاً على مصراعيه بشكل دائم ومتكرر لما يمثله من قلق مجتمعي وارتباك اقتصادي الكل يتأثر من تداعياته وله انعكاسات سلبية على الجميع حتى الشركات نفسها.
ولعل إصدار بيانات من الاتحادات العمالية بعد تضاعف التسريح الممنهج على ما يبدو من بعض الشركات عندما تنتهي عقود العاملين، رغم أن لديها أعمالاً أو حصلت على أعمال أخرى يجبرها القانون بنقلهم لها، وهو ما يثير الكثير من الاستغراب والدهشة لهذا التعاطي من شركات متمكنة وفي هذه الظروف التي يتطلب منها أن تساند الجهود الحكومية ولا تتناقض معها.
فقد عبرت الاتحادات العمالية عن تسريح القوى العاملة الوطنية في أكبر مشروع يشهده قطاع النفط والغاز ، إلا أن بعض الشركات بادرت بإعطاء 420 موظفا إنذاراً بتسريحهم وفق بيان أحد الاتحادات العمالية، وحتى الآن تم تسريح 120 موظفاً ولا يعرف مصير البقية، وشركة أخرى من مشروع آخر تعمل على تسريح المواطنين كذلك لذات الأسباب رغم حصولها على مناقصات وعقود بمئات الملايين من الدولارات، وقد وقفت الحكومة معها في كل مراحل أزماتها إلا إن ذلك لم يتم تقديره عالياً على ما يبدو.
إن الاتحادات العمالية القطاعية الخمسة التي تم تشكيلها خلال الخمس سنوات الأخيرة خرجت في بيان مشترك ناشدت فيه باقي أطراف الإنتاج لتفعيل نظام (التأمين ضد التعطل عن العمل) والذي تعمل عليه الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، ومطالبة اللجنة الوزارية التي تم تشكيلها في 2015، لمواجهة حالات تسريح العمال العمانيين والتعامل مع الأزمة من كافة أبعادها لتشمل جميع القطاعات وليس قطاع النفط فقط، واستحداث (البرنامج الوطني للإحلال) لإيجاد فرص ووظائف للعمال المسرحين وليستفيد منه الباحثين عن عمل بحيث يكون وسيلة لتحقيق التعمين النوعي بمساهمة جميع أطراف الإنتاج الثلاثة فيه والتسريع بإصدار (قانون العمل الجديد) وإزالة العراقيل التي تحول دون صدوره لتوفير المزيد من الضمانات للعمال في مواجهة قسوة بعض الشركات في تعاطيها مع العمالة الوطنية.
في المقابل ولكي نكون منصفين للجميع هناك بعض الشركات ربما مضطرة لإنهاء القوى العاملة لعدم وجود أعمال لها في السلطنة وخاصة الأجنبية التي تنفذ عقود عمل وتنتهي، وهنا نرى بأن لا تمنح عقود إلا لشركات محلية وبشراكات دولية لتلافي هذه الإشكاليات، خاصة أن شركاتنا الوطنية تنظر أيضا للكثير من المناقصات التي تمنح للشركات لأعمال يمكن أن تنجزها.
نأمل أن تعمل الشركات الوطنية على الإيفاء بالتزاماتها الوطنية في تمكين الكوادر الوطنية وتتفهم الظروف الراهنة، وتنظر بعين الاعتبار للرعاية والاهتمام الذي أولته الحكومة لها، إذ إن الحد الأدنى من العرفان الذي يتعين تقديمه في المقابل هنا هو الحرص على القوى العاملة الوطنية ووضعها في حدقات العيون، كما ينبغي توفير حد أدنى من الحماية الاجتماعية للعمال في حالة إنهاء خدماتهم لأسباب خارجة عن إرادتهم من خلال أنظمة التأمين ضد التعطل من جانب الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية التي عليها التعجيل في ذلك فلقد أصبح ذلك واقعاً لعمال بعض دول الجوار وأن تعزز جهود وزارة القوى العاملة بما يمكنها من إدارة ملفات كثيرة وكبيرة في غاية التعقيد ومتعارضة المصالح.