ليو زينمين
في العام 2015، اجتمعت الدول الأعضاء بالأمم المتحدة وتعهدت بتحقيق مجموعة شاملة جامعة من 17 هدفا للتنمية المستدامة تغطي كل أبعاد التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وسيكون الاستثمار عاملا أساسيا لا غنى عنه لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، التي ترمي إلى التخلص من الفقر، والقضاء التام على الجوع، ومحاربة التغير المناخي، وإقامة بنية تحتية قوية ومرنة، وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل المستدام. لكن بعد مرور ثلاثة أعوام، نجد أننا لم نفعل بعد ما يكفي تقريبا لزيادة فعالية أنظمتنا المالية سعيا لإدراك أهداف التنمية المستدامة.
وقد نشرت الأمم المتحدة مؤخرا، بالتنسيق مع ما يقرب من 60 وكالة ومؤسسة عالمية، تقييما لمدى التقدم الذي أحرزه العالم باتجاه تغيير نظم التمويل، والسياسات، واللوائح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وانتهى التقييم إلى أنه لن يمكن الوفاء بالأهداف، رغم الزخم الإيجابي على مسار الاستثمار المستدام، حتى نتمكن من تحويل وجهة النظام المالي برمته نحو آفاق استثمارية طويلة الأجل، وترسيخ الاستدامة كالتزام محوري. وفي غياب منظور طويل المدى، فلن يتسنى وضع مخاطر معينة، خاصة تلك المرتبطة بالتغير المناخي، في الحسبان عند اتخاذ قرارات الاستثمار الخاص.
ورغم ضخامة التدفقات المالية العالمية، فإن نوعية الاستثمار في حد ذاتها أمر مهم. وما نراه حاليا هو أن أنماط الاستثمار قصيرة الأجل تسبب تقلبا في أسواق المال وأسعار الصرف، مما يؤدي إلى ارتفاع كبير في التكاليف وزيادة مخاطر الاستثمار المستدام، خاصة بالنسبة للدول النامية. ولو أوجدنا حوافز لتوجيه تدفقات التمويل نحو مشروعات البنية التحتية طويلة الأجل مثل الجسور، والطرق، وأنظمة المياه والصرف، فسنكون بذلك قد قدمنا إسهاما كبيرا يخدم كلا من التنمية والاستقرار.
ويجب أن تكون تلك المشروعات الاستثمارية أكثر استدامة بيئيا واجتماعيا. فنظرا لأن استثمارات اليوم، لا سيما في مجال أنظمة الطاقة، هي التي ستحدد مسارات التنمية لعقود قادمة، فلابد من بذل المزيد من الجهد لكي نضمن أن الاستثمارات الآن ومستقبلا لن تؤدي إلى تقويض جهودنا في معالجة تغير المناخ. فضلا عن ذلك، ينبغي أن تصبح المساواة بين الجنسين موضع اهتمام محوري، كما هي الحال مع كل السياسات الاقتصادية.
لن يكون تغيير شكل النظام المالي بالأمر اليسير. فأسواق المال اليوم موجهة بدرجة كبيرة نحو نهج الأجل القصير، كما هو واضح من تقلب تدفقات رؤوس الأموال وقصر فترة الاحتفاظ بالأسهم في بعض الأسواق المتقدمة، حيث هبطت من متوسط ثماني سنوات في ستينيات القرن الماضي إلى ثمانية أشهر حاليا.
وبينما يمتلك المستثمرون المؤسسيون من أصحاب الاستثمارات طويلة الأجل أصولا بنحو 80 تريليون دولار، نصفها تقريبا تمثل ديونا طويلة الأجل، فإن ملكية نحو 75% من هذه الأصول تأخذ صورة أدوات مالية سائلة، بينما يُستثمر 3% فقط في البنية التحتية.
ويهيمن ذات الاتجاه على الاقتصاد الحقيقي. ففي عام 2016، أنفقت الشركات المدرجة على مؤشر ستاندراد آند بورز 500 أكثر من 100% من أرباحها على حصص الأرباح وعمليات إعادة شراء الأسهم، بهدف زيادة أسعار الأسهم على المدى القصير، بدلا من تجميع قيمة طويلة الأجل من خلال الاستثمار. وانتهى استقصاء أجراه معهد ماكينزي جلوبال في فبراير/شباط العام الماضي إلى أن 87% من الرؤساء التنفيذيين ومديري الشركات يشعرون «بالضغط لإظهار أداء مالي قوي خلال عامين أو أقل»، بينما قال 65% منهم إن «الضغوط لتحقيق نتائج قصيرة الأجل قد تزايدت خلال السنوات الخمس الماضية»، كما صرح 55% من الرؤساء التنفيذيين والمديرين بأنهم يعتزمون تأجيل استثمارات في مشروعات ذات عوائد إيجابية من أجل إدراك الأهداف الربع سنوية للموازنة العمومية.
لكي يتسنى لنا تحقيق كل أهدافنا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، لابد أولا من تحويل اتجاه المستثمرين من نهج الأجل القصير إلى التفكير طويل الأجل. لكن القطاع الخاص لن يقوم بهذا الانتقال من تلقاء نفسه، إذ يجب أن يتدخل صانعو السياسات ليقدموا التوجيه.
ومع تبقي 12 عاما على الموعد المحدد لإنجاز الأهداف، قد يبدو أن هناك متسعا من الوقت أمام العالم لإحراز تقدم باتجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة. لكن تجارب الأمم المتحدة الماضية مع المبادرات الموجهة بالأهداف تبين أن التحرك الحاسم المبكر في أي عملية مهم ومطلوب. وما يزيد من صعوبة الوضع، تلك التوترات الجيوسياسية والتجارية التي تهدد بسحبنا إلى الخلف بدلا من دفعنا إلى الأمام. ولا ينبغي لمثل هذه الخلافات أن تقف عقبة في طريق الوصول لأهداف التنمية المستدامة وبناء مستقبل مستدام.
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية