هزيمة الذات العربية

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٢/مايو/٢٠١٨ ٠٤:٢٤ ص
هزيمة الذات العربية

فريد أحمد حسن

لعل التعليق الأكثر انتشاراً على التقاء الرئيسين الكوريين؛ الجنوبي مون جاي إن والشمالي كيم جونج أون بعد فترة القطيعة والعداوة وما ينتشر باستمرار عن احتمالات وقوع حرب بين بلديهما ثم انتشار خبر بدء المصالحة بين هذين البلدين هو ذلك التعليق الذي ملخصه أن الدول العربية هي الوحيدة التي ستظل دون القدرة على المصالحة، وأن الأمة العربية هي الأمة الوحيدة التي يمكن وصفها بـ «الخائبة»، وهو تعليق سالب ينبغي التحذير منه لأنه يقلل من شأن العرب ومن قدرات قيادات هذه الدول على اتخاذ القرارات والخطوات الإيجابية التي من شأنها أن «تحيي الناس»، ويوصل رسالة خاطئة مفادها أن العرب لا يستطيعون العيش في سلام وأن العقلية العربية لا تستوعب غير لغة الحرب والعنف، ما يجعل المرء يشكك في الجهة أو الجهات التي تعمد إلى نشر مثل هذه التعليقات، فهناك من هو مستفيد من نشر مثل هذه الأفكار عبر التعليقات التي صار العرب يشاركون فيها ويعتبرونها نوعاً من «الفضفضة» والتعبير عن عدم الرضى عن هكذا حال.

منذ اللحظة التي أعلن فيها عن لقاء الرئيسين الكوريين بدأت ماكينة التعليقات السالبة تعمل وبدأ العرب ينتقصون من شأن أنفسهم ويقللون من قدراتهم في اتخاذ قرارات تصب في صالح الأمة العربية، فامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بتلك التعليقات، والمثير أن أحداً لم يحاول أن يرد عليها حتى صار وكأن ما يتم قوله في هذا الصدد حقيقة لا تقبل المناقشة وأن حال هذه الأمة لا يمكن أن يتغير.

الأمر نفسه سيحدث عندما يلتقي لاحقاً الرئيسان الأمريكي والكوري الشمالي اللذين وصلا حد تهديد بعضهما البعض وقول كل منهما للآخر بأن زر النووي على مكتبه وإنه لن يتكلف سوى الضغط بإصبعه عليه ليمحي البلد الآخر من الوجود، فعندما يتم هذا اللقاء سيتم ترديد التعليق نفسه واعتبار ذلك مثالاً على إمكانية التفاهم والمصالحة بين كل البشر إلا العرب.
مؤلم أن يصل العرب إلى هذه الحال التي يرون فيها أنفسهم أضعف الأمم وأقلها حظاً وأكثرها إصراراً على عدم تقبل فكرة التصالح حتى مع الذات، ومؤلم أكثر القبول بمثل تلك التعليقات السالبة واعتبارها حقائق لا تقبل المناقشة، وكذلك غياب الدعوة إلى التوقف عن كل هذا وترويج فكرة أن الأمة العربية هي أسوأ الأمم، وأنها لا تستطيع أن تعيش في أجواء السلام وأن عقليتها لا تسمح لها ذلك، وأن قادتها لا يمتلكون الجرأة في اتخاذ القرارات الموجبة وأنهم يعتقدون أن دخولهم التاريخ لا يمكن أن يكون من هذا الباب.
هذه القناعات السالبة لا بد من التصدي لها، ولا بد من تغيير فكرة العرب عن الأمة العربية لتتغير بعد ذلك فكرة العالم عن هذه الأمة، فليس معقولاً السكوت عن هذا الذي يجري والذي يتم إخراجه بأيدي أبناء الأمة نفسها، وليس معقولاً السماح باستمرار هذه الحال التي تفضي إلى قتل كل أمل في أن يكون للأمة العربية دور تفاخر به بعد أن كانت تفتخر بالكثير، وتفتخر قبل كل شيء باسمها وبأن القرآن الكريم نزل بلغتها، وبعد أن كان كل العالم يحسدها على ما هي فيه ويحسد أبناءها على انتمائهم لهذه الأمة ولهذا الاسم.
إخراج العرب من هذه الحال هي مسؤولية المثقفين منهم والذين عليهم قبل الآخرين أن يتوقفوا عن الحديث بسلبية عن أمتهم وقياداتهم وأن يتوقفوا عن الانحياز للغرب، ولكل ما هو غير عربي لأنهم قياديون ولا يمكن للقياديين أن يكونوا سالبين أو مروجين لما يعلي من شأن الآخر، ويقلل من شأن الأمة التي ينتمون إليها. والمسؤولية أيضا تقع على عاتق الإعلاميين الذين هم أيضاً قياديون بحكم عــــــملهم إذ عليهم أن يمتنعوا عن نشر ما هو سلبي من كلام عن الأمة الــــــعربية وأن يمنعوا الآخرين من نشر مثل تلك الأفكار التي تجرحها وتجعل الآخرين ينظرون إليها بدونية، فأمـــــــتنا من خـــــــير الأمم، وأبــــــناؤها، ذكوراً وإناثاً، قـــــــادرون على فعل كل ما هو موجب وكل ما يمكن أن يعلي من شـــــــأنها ويرتقي بها ويجعلها متميزة.
مسؤولية المثقفين والإعلاميين ومسؤولية كل عاقل من أبناء هذه الأمة هي منع نشر مثل تلك الأفكار والتعليقات السالبة، ومسؤولية الأفراد من كل الفئات وكل المستويات هي الامتناع عن الترويج لتلك الأفكار عبر تلك التعليقات الناقصة، وأن يرفضوا ما يصلهم منها لأنها تسيء إليهم كونهم أفراداً ينتمون لهذه الأمة، أما مسؤولية الدول وقياداتها فأكبر، ولعل الوقت حان لاتخاذ إجراءات ضد كل من يسيء إلى الأمة العربية بالتقليل من شأنها وإظهارها على أنها أضعف وأسوأ الأمم والأمة البعيدة عن كل فعل موجب وكل ما يعود على البشرية بخير.
محاربة السلبية التي صارت للأسف صفة الكثيرين من العرب ينبغي أن يكون لها الأولوية في البرامج العربية، وينبغي عدم إعفاء كل قادر على فعل ذلك من القيام به، والتوقف عن الإساءة إلى الأمة العربية سواء بانتقادها مباشرة أو بامتداح الأمم الأخرى ونشر فكرة أنها أفضل من الأمة العربية وأكثر قدرة على فهم الحياة والعمل للمستقبل ينبغي أن تكون الخطوة الأولى التي تليها خطوات إعادة ثقة أبناء هذه الأمة فيها.

ليس من الشهامة المشاركة في ترويج الأفكار السالبة عن هذه الأمة التي أكرمها الله باختيار لغتها لغة لآخر الكتب السماوية واختارها لتكون مركز انتشار دينه.

كاتب بحريني