طبول الحرب التجارية

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠١/مايو/٢٠١٨ ٠٩:٤٨ ص
طبول الحرب التجارية

يو يونج دنج

في الشهر الفائت، أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدفعة الأولى من النيران في النزاع الذي بدأ يتحول بسرعة إلى حرب تجارية تامة النضج. ورغم أن الاحتكاكات التجارية كانت لفترة طويلة قضية متكررة في العلاقات الصينية الأمريكية، فإن قِلة من المراقبين توقعوا مثل هذا التصعيد، خاصة وأن أغلب خبراء الاقتصاد يعتبرون الحروب التجارية مدمرة لجميع الأطراف. كيف إذن وصلنا إلى هذه النقطة، وهل يمكننا أن نتراجع قبل أن يفوت الأوان؟

أولا وقبل كل شيء، لا يبدو أن ترامب يفهم كيف تعمل التجارة. فهو يتصور أن عجز أمريكا التجاري مع الصين الذي يعادل 500 بليون دولار أمريكي يشكل خسارة، نتيجة لإدارات أمريكية «تفتقر إلى الكفاءة» وسمحت للصين باستغلالها. بل إن ترامب يرى أن الولايات المتحدة خسرت بالفعل «حربا تجارية» مع الصين قبل سنوات.

غير أن الميزان التجاري أشد تعقيداً مما يتصور ترامب. فبادئ ذي بدء، يشمل قسم كبير من صادرات الصين مكونات مصنوعة في أماكن أخرى، بمعنى أن الفائض التجاري الصيني يضم في واقع الأمر الفوائض التجارية لدى دول أخرى عديدة.
علاوة على ذلك، تدير الصين عجزاً كبيراً في مقابل اليابان واقتصادات جنوب شرق آسيا، حتى وإن كانت تحقق فائضاً كبيراً في مقابل الولايات المتحدة.
ثم هناك عجز الحساب الجاري الأمريكي، وهو ليس أمراً سيئاً بالضرورة، لأنه يعني ضمنا اكتساب كميات كبيرة من رأس المال الأجنبي. وقد أفاد هذا الولايات المتحدة لسنوات، من خلال تعزيز نظامها المالي وعملتها. وفي حين يمكن تخفيض العجز الخارجي الأمريكي، لأنه يعكس جزئياً نقص الادخار في أمريكا، فإن السياسة التجارية وحدها لا تكفي لتحقيق هذه الغاية.
لا يعني أي من هذا أن الولايات المتحدة ليس لديها أي شكاوى مشروعة حول ممارسات الصين التجارية. لكن هذه الشكاوى لابد أن يُنظَر إليها على أنها قضايا متعلقة بامتثال الصين لقواعد منظمة التجارة العالمية.
وكما اعترف المدير العام الأسبق لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي ذات يوم، ففي حين كان أداء الصين «جيداً حقاً» في تنفيذ قائمة طويلة من الالتزامات أمام منظمة التجارة العالمية، «فإن أي دولة ليست فوق الانتقاد». وهي انتقادات عادلة. والحق أن الحكومة الصينية ذاتها كانت تأمل في فتح قطاعات الخدمات المالية بسرعة أكبر، إلا أن الهشاشة المالية كانت تتطلب نهجاً تدريجياً. وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته الصين في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية، فكان من الواجب عليها أن تتعامل مع هذه القضية بقدر أكبر من الجدية منذ البداية.
أما عن الولايات المتحدة، فإن ممثلها التجاري كان يراقب عن كثب التزام الصين بقواعد منظمة التجارة العالمية منذ انضمت إليها في العام 2001. ويعترف تقرير الممثل التجاري الأمريكي لعام 2016 حول هذا الموضوع بمدى تعقيد الصورة التي قدمتها عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية في ذلك الوقت، لكنه تبنى نبرة إيجابية في الإجمال، مسلطا الضوء على توسع أشكال التجارة والاستثمار التي تقوم على المنفعة المتبادلة.
غير أن تقرير الممثل التجاري الأمريكي لعام 2017 ــ وهو أول عام للرئيس ترامب في منصبه ــ لم يذكر أي نتائج إيجابية. بل أكد بدلا من ذلك على أن الولايات المتحدة «أخطأت في دعم انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية بشروط أثبتت عدم فعاليتها في ضمان احتضان الصين لنظام تجاري مفتوح وموجه نحو السوق»، وقد ركز الممثل التجاري الأمريكي على الشكاوى المتعلقة بسياسة الصين الصناعية، والتي تقع إلى حد كبير خارج نطاق منظمة التجارة العالمية.
تعارض إدارة ترامب بشكل خاص استراتيجية صُنِع في الصين 2025، التي قدمها مجلس الدولة الصيني في العام 2015 بهدف تعزيز عشر صناعات استراتيجية، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات المتقدمة، والأدوات الآلية المؤتمتة والروبوتات، ومعدات الطيران والفضاء، والمركبات الكهربائية. ويحذر تقرير الممثل التجاري الأمريكي من أن «الهدف النهائي» لهذه الاستراتيجية يتلخص في «الاستحواذ على حصص أكبر كثيراً في السوق العالمية» في الصناعات المستهدفة.
الواقع أن استراتيجية صنع في الصين 2025 ــ التي تَصَادَف أنها مستلهمة جزئيا من استثمار الحكومة الأمريكية الضخم في مشاريع البحث والتطوير ــ تسعى فقط إلى رفع قدرة الصين الصناعية إلى المستوى المتوسط بين القوى الصناعية الكبرى في العالَم بحلول العام 2035 (وليس 2025)، وهو هدف متواضع. ولكن حتى إذا كانت الصين راغبة في وضع أهداف أكثر طموحا، فبأي حق تريد الولايات المتحدة ــ التي تمتلك الآن حصص أكبر كثيرا في السوق في الصناعات المستهدفة ــ منع الصين من محاولة تحقيق هذه الغاية؟
وفقا لتقرير الممثل التجاري الأمريكي، تتلخص المشكلة في أن أدوات السياسة التي تستخدمها الحكومة الصينية لتحقيق أهداف استراتيجية صُنِع في الصين 2025 «غير مسبوقة إلى حد كبير، لأن غيرها من أعضاء منظمة التجارة العالمية لا يستخدمونها». وهي فضلا عن ذلك «تضم مجموعة واسعة من أشكال التدخل والدعم من قِبَل الدولة والمصممة لتعزيز تطوير الصناعة الصينية إلى حد كبير من خلال تقييد المشروعات الأجنبية وتكنولوجياتها ومنتجاتها وخدماتها، أو التمييز ضدها، أو وضع العقبات أمامها».
لكن التقرير فشل في تحديد تلك التدخلات، وهو ليس بالأمر المستغرب، لأن مجلس الدولة لم يحدد بعد أدوات السياسة التي يعتزم استخدامها. ورغم أن تظلمات أمريكا بشأن قضايا حقوق الملكية الفكرية مفهومة، فإن علاجها ممكن من خلال منظمة التجارة العالمية. والواقع أن النهج الذي اتخذته إدارة ترامب يشير إلى أنها لا ترغب في ضمان امتثال الصين للقواعد القائمة فحسب؛ بل تريد أيضا منع الصين من اللحاق بالولايات المتحدة تكنولوجيا. ومن الواضح أن هذا غير مقبول لدى الصين.
تتعزز هذه القراءة في ضوء استراتيجية الأمن القومي التي أطلقتها إدارة ترامب في ديسمبر الفائت، والتي أكدت على أن الولايات المتحدة سوف «تستجيب للمنافسات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتنامية التي تواجهها في مختلف أنحاء العالم». وقد استشهدت الاستراتيجية بالصين باعتبارها «المنافس الرئيسي لقوة أمريكا، ونفوذها، ومصالحها»، فهي الخصم الذي «يحاول تقويض أمن أمريكا وازدهارها». ويغذي هذا المنظور خطر ما يسمى «فخ ثوسيديدس»، حيث يؤدي خوف قوة راسخة من منافس صاعد إلى اندلاع الصراع.
ومع ذلك، ربما نتمكن من تجنب الحرب التجارية. ذلك أن الرئيس الصيني شي جين بينج يبدو حريصا على تخفيف حدة التوترات، وهو ما تجسد في تعهده الأخير بخفض التعريفات على السيارات الأمريكية المستوردة «بشكل كبير»، والمزيد من انفتاح الصين على قطاع الخدمات المالية. ثم أعلن ترامب أن المفاوضات التجارية مع الصين تسير على «خير ما يرام».
يأمل المرء لو تصمت طبول الحرب من خلال التفاوض والتنازلات المتبادلة. وبعد ذلك يصبح بوسع قادة الولايات المتحدة والصين أن يحولوا اهتمامهم نحو المشكلة الأكبر المتمثلة في تجنب الانزلاق إلى فخ ثوسيديدس، وبالتالي منع نشوب صدام تتضاءل أمام عواقبه كل الآثار التي قد تترتب على أي حرب تجارية.

مدير معهد الاقتصاد العالمي والسياسة في

الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية سابقا، وكان عضواً
في لجنة السياسات النقدية لدى بنك الشعب الصيني.