خطوة الصين الجديدة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٣٠/أبريل/٢٠١٨ ٠٩:٥٣ ص

مارتن فيلدشتاين

أنا من أشد المعجبين بالصين وقدرتها على تعديل سياساتها الاقتصادية للحفاظ على النمو السريع. ولكن الآن بعد أن صعدت الصين إلى قمة الاقتصاد العالمي، يتعين عليها أن تتبنى الإصلاحات الضرورية لكي تصبح متوافقة تماماً مع القواعد الدولية التي قبلتها عند انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في العام 2001.

عندما ذهبت إلى الصين في العام 1982، كانت دولة فقيرة للغاية يحكمها نظام شيوعي تماما. فكانت الزراعة جماعية بالكامل. ولأن الفلاحين خسروا في ذلك الوقت الحق في زراعة أراضيهم، كان الإنتاج الزراعي منخفضا للغاية. وبعيدا عن الزراعة، كانت الملكية الفردية لوسائل الإنتاج محظورة قانونا. وكان بوسع الأسرة الصينية أن تمتلك ماكينة خياطة لاستخدامها الخاص، ولكن لم يكن من المسموح لها أن تمتلك أكثر من ماكينة خياطة واحدة أو تستأجر جارا للمساعدة في إنتاج الملابس.

وتحت قيادة دينج شياو بنج، بدأ هذا يتغير. فبدأت إعادة قطع من الأراضي إلى مالكيها السابقين، الذين سُمِح لهم بالاحتفاظ بأي إنتاج يتجاوز الحصة الإلزامية التي تحددها الحكومة. ونتيجة لهذا، ارتفع الناتج الزراعي إلى عنان السماء، وأنتج المزارعون مجموعة من المحاصيل الإضافية، مثل الزهور والخضراوات، لبيعها بشكل مباشر للجمهور. وتدريجياً، جرى تخفيف القيود المفروضة على ملكية الأصول المنتجة واستئجار العمال، حتى أصبح القطاع الخاص الآن يمثل غالبية النشاط الاقتصادي في الصين.
وكانت النتيجة تفجر النمو الاقتصادي والزيادة السريعة في مستويات المعيشة. فمنذ العام 1982، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الصيني الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) بمعدل سنوي تجاوز في المتوسط 7%. وتضاعف نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 18 مرة، مع انتشال نحو 800 مليون شخص من براثن الفقر منذ بدأت إصلاحات دينج. ورغم أن إجمالي نصيب الفرد في الناتج في الصين لا يزال عند ربع مستوى نظيره في الولايات المتحدة، فإن مستويات المعيشة في المدن الرئيسية في الصين ارتفعت بشكل مبهر. وعندما نرى ناطحات السحاب اللامعة البراقة ومجموعات من المحلات التي تخدم الشباب الأثرياء، نستطيع أن نقدر حجم التغيير الذي حدث في غضون بضعة عقود من الزمن.
ذات يوم أعلن دينج: «اكتساب الثراء إنجاز مجيد». واستجاب الشعب الصيني. فازدهرت الكيانات الخاصة، والآن تتيح سوق الأوراق المالية البالغة النشاط ملكية الأسهم على نطاق واسع. ومن الواضح أن عدد أصحاب البلايين العصاميين في الصين أكبر من نظيره في الولايات المتحدة.
الواقع أن الجمع بين الحوافز الخاصة والتعليم الفعّال كان أحد الأسباب الرئيسية وراء النمو السريع الذي تحقق في الصين. تتمتع الصين بتقاليد قديمة في تشجيع الطلاب الأكثر تألقا استنادا إلى اختبارات مكثفة. فكان المسؤولون الرسميون الذين يعملون في بلاط الأباطرة ينتقون استنادا إلى اختبارات كتابية حول الفِكر الكونفوشيوسي. والآن أصبحت معرفة القراءة والكتابة شاملة، وتستخدم الامتحانات الوطنية لتحديد من يذهب إلى أفضل الجامعات. كما درس أكثر من مليون طالب صيني في الولايات المتحدة، والعديد من كبار المسؤولين الاقتصاديين في الحكومة أتموا دراستهم العليا هناك.
على أكثر من جانب، يعمل الاقتصاد الصيني الآن على نحو أشبه بشركة أمريكية ضخمة متعددة الجنسيات، حيث يجري تحديد الاستراتيجية العريضة من قِبَل الإدارة عند القمة: أهداف النمو، والتحول البنيوي من الصناعة الثقيلة إلى الاستهلاك، ومبادرة الحزام والطريق (التي ستوجه الصادرات والمساعدات الخارجية)، وما إلى ذلك. ويجري اختبار المديرين كأفراد في المدن الإقليمية وتعتمد ترقياتهم على نجاحهم في تحقيق الأهداف التي يحددها القادة الوطنيون.
تتلخص الأهداف التي حددها الرئيس شي جين بينج والحكومة الحالية في زيادة الاقتصاد تطورا وتمرسا وتحقيق مستويات معيشة الطبقة المتوسطة لعامة السكان. ولتحقيق هذه الغاية بنجاح، تستثمر الصين مبالغ ضخمة في الأبحاث والتعليم الفني.
ولكن في سعيها الحثيث للحاق بالغرب، سرقت الصين أيضا التكنولوجيا من الشركات الغربية. فأثناء رئاسة باراك أوباما، اتهمت الولايات المتحدة الصين بالتورط في التجسس السيبراني ضد شركات أمريكية وسرقة ملكياتها الفكرية. وفي وقت لاحق وَقَّع الرئيسان شي وأوباما على بيان رسمي في العام 2013 يقضي بالامتناع عن مثل هذه السرقات السيبرانية.
لكن الصين تواصل أخذ التكنولوجيا من الشركات الأميركية. وهي تفعل ذلك من خلال إلزام الشركات الأجنبية الراغبة في ممارسة الأعمال في الصين بإنشاء مشاريع مشتركة مع الشركات الصينية، والسماح للشركاء الصينيين بالحصول على التكنولوجيا التي تمتلكها الشركات الأميركية. وفي حين تحظر منظمة التجارة العالمية على الدول الأعضاء تعليق القدرة على الوصول إلى الأسواق على تلبية شرط إلزامي مثل نقل التكنولوجيا، فقد رد الصينيون بأن هذه الممارسة لا تنطوي على أي إلزام، لأن الشركات الأجنبية ليست مضطرة لمزاولة الأعمال في الصين.
هذا خداع واضح، ويهدف الإعلان عن تعريفات أمريكية كبيرة على الصادرات الصينية إلى تشجيع الصين على الامتثال للقاعدة التي أقرتها منظمة التجارة العالمية بشأن نقل التكنولوجيا. وربما وصلت الرسالة إلى الصينيين. ففي خطاب أخير مهم في إطار منتدى بواو هذا العام، قال شي إن الصين لن تستمر بعد الآن في اشتراط هذه المشاريع المشتركة في صناعة السيارات ــ وهو اعتراف ضمني بأن هذا الشرط يشكل انتهاكا لقاعدة منظمة التجارة العالمية.
الآن حان الوقت لكي توسع الصين نطاق هذه السياسة الجديدة بإلغاء شرط المشاريع المشتركة بالكامل. ورغم أن الولايات المتحدة لا تفرض مثل هذا الشرط، فمن المفيد للبلدين أن يعلنا صراحة الامتناع عن إلزام أي شركة أجنبية في المستقبل بالدخول في مشروع مشترك أو نقل التكنولوجيا بأي طريقة أخرى كشرط لممارسة الأعمال.
إن الصين قادرة على مواصلة نموها السريع وتطورها التكنولوجي من خلال جهودها الذاتية. أما السياسة الحالية فلن تؤدي إلا إلى نزاع تجاري شديد الخطورة.

أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد