
سمعان كرم
سألت يوماً أحد المسؤولين، إذا مرض ابنك، لا سمح الله، هل تأخذه عند أرخص طبيب أو عند طبيب جاهل؟، أجاب طبعاً لا. وهذا جوابٌ سليمٌ، إذ إن الطبيب الرخيص والجاهل قد يكلفه حياة ابنه. لماذا إذن نعيّن في كثير من الأحيان أرخص استشاري ونحن نعلم أو لا نعلم أنه سيكلفنا الكثير؟.
من الطبيعي أن نستعين بمستشارين وبيوت خبرة ريثما تكون قد أصبحت لدينا المعرفة الكافية والخبرة الواسعة وتراكم الدروس للاستغناء عن أغلب خدماتهم. لكن من البلية أن نعيّن استشارياً سيئاً ونستمع له، أو نعيّن استشارياً جيداً ولا نستمع له. في الحالتين نكون نحن خاسرين.
أمشي أحياناً في الشوارع حول منزلنا، للحفاظ على قليل من الرشاقة وأنا على صراعٍ أزليٍ مع زيادة الوزن والسمنة، وأقف عند ورش البناء المتعددة التي تقوم هنا وهناك وألاحظ حجم الأساسات الخرسانية، حتى تلك التي تبنى على الصخر، وأتعجب لضخامتها وهي لن تحمل سوى بيت من طابقين بينما أنا متأكد من أنها قادرة على رفع عمارة متعددة الأدوار بكاملها.
صاحب المنزل المسكين يكون قد اختار له استشارياً رخيصاً فدفع غالياً ثمن الخرسانة المسلحة الفائضة. قد يجوز أنه قد وفرَ ألف ريالٍ من أتعاب المهندس لكنه دفع الآلاف لتغطية جهل الاستشاري. ناهيك عن فقر التصميم والابتكار والتوزيع الداخلي للمساحات وعدم انسجامها مع العادات والمتطلبات. نضطر أن نكيف حياتنا حسب التصميم ولا نكيف التصميم حسب حياتنا. وتعطى الزخرفات الخارجية والألوان أهمية تفوق وظائف الغرف. المنظور من الخارج أهم من المحضور من الداخل. كم من مبنى حكومي أو خاص، لكن خصوصاً الحكومي لكثرة زواره، تراه جميلاً تزينه واجهات برَاقة، تدخله فتضيع وتتوه. أما أن يستقبلك بهو شاسع أو غابة من الأعمدة أو سلسلة من الدهاليز والدرجات. تضطر للاستعانة بمن تراه ليدلك على المكان الذي تقصده، ولن نتكلم عن أزمة مواقف السيارات بالقرب من تلك المباني.
وعندما تهطل الأمطار، هل نتساءل لماذا يحدث الضرر الكبير على شوارعنا؟، أليس من الطبيعي أن نتوقع هطول الأمطار على الطرق، أم أنه حدثٌ مفاجئ كل مرة؟ أليست مسؤولية الاستشاري أن يدرس حجم المياه في مساراتها الطبيعية والاحتمالات العلمية المبنية على الإحصاءات، فيضع تصميماً ملائماً لتصريفها دون إلحاق الضرر بالطريق.
تضع الناس المسؤولية والملامة على المقاول وحده دون الإشارة إلى المصمم، وفي ذلك ظلمٌ. فإن كان المقاول لم ينفذ الأعمال حسب المواصفات فالاستشاري مسؤولٌ لأن من مهامه الإشراف عليه والتأكد من مطابقة الأعمال للمواصفات. وإن كان التصميم فيه عيوبٌ تقع المسؤولية أيضاً على الاستشاري. إذا تأخر المشروع وبموجب شروط العقد الموحد للمباني وأعمال الهندسة المدنية تقع الغرامات على المقاول وحده في الوقت الذي يكون الاستشاري قد ساهم في أسباب ذلك التأخير. له حصانة غير مبررة وهو معصوم من أية تبعات.
هناك الكثير من المشاريع تكون ضحية استشاري لا يملك العلم الكافي والاهتمام المطلوب، أو استشاري آخر يخاف من الخطأ فيضع التصاميم الباهظة الكلفة، أو آخر يريد رفع اسمه على حساب المالك. في جميع الحالات ندفع نحن ثمن الجهل والغايات المشبوهة. كم من شارع فيه انعطافات غير مبررة وميول غير مقبولة. كم من طريق يتعرض دائماً لانهيارات صخرية تعترضه أو رمال تتراكم عليه. كم من ميناء صيد لا يستعمله الصيادون لأن موقعه وتصميمه لم يأخذا بعين الاعتبار رأي أهل البلدة وخبرة السنين التي توارثوها من آبائهم. فيبقى الميناء يتيماً إذ إن الصيادين لم يتخلوا عن مواقعهم القديمة ولم ينقلوا آلية عملياتهم. ناهيك عن أخطاء تجمع الرمال على المداخل وفي الأحواض. وما ذكرناه آنفاً ينطبق على استشاري التعليم، والتخطيط المدني، ووضع الرؤى الاقتصادية، وسن القوانين، واستعمال الأراضي. اختيار الاستشاري الجيد مسألة في غاية الأهمية ويجب أن تعطى العناية والانتباه الكافيان.
لا يشمل هذا الانتقاد أو هذا التحذير جميع الاستشاريين العاملين في البلاد ولا جميع المشاريع العامة أو الخاصة، طبعاً لا. إذ إن هناك العديد من المشاريع الناجحة بالأخص تلك التي تنال اهتماماً خاصاً من صاحب الجلالة والتي تتسم بذوقه الرفيع وحكمته الغالية. مبنى دار الأوبرا السلطانية، وجامع السلطان قابوس الأكبر رغم أنه تعرض للفيضانات التي كان بالإمكان تفادي آثارها، ومبنى المطار الجديد وكم عانينا من الاستشاريين والمقاولين معاً، والخط السريع الجديد على طول خط الباطنة أو حتى بعض مشاريع القطاع الخاص كمبنى بنك مسقط الذي أحدث نقلة نوعية في التصميم المعماري وفي استعمال المساحات والفضاء داخل المبنى والمجمع السياحي في برَ الجصة- شانجريلا وكيف حافظ المطورون على البيئة، وبساطة المواد المستعملة في فندق الشيدي الذي ساهم كثيراً في جذب السياح في فترة من الزمن.
ليس من الحكمة بشيء أن نعيّن استشارياً جيداً وأن لا نستمع له أو نعيّن استشارياً سيئاً ونستمع له. في المهن الحرة ليس الرخيص هو دائماً الأحسن.