الجنون والإبداع

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٥/أبريل/٢٠١٨ ١٢:١٦ م
الجنون والإبداع

أ. د طارق الحبيب
الفنون جنون جملة تم تداولها بين الناس نظراً لارتباط أسماء بعض الفنانين القدماء كالرسامين وغيرهم ببعض الاضطرابات النفسية كالهوس والاكتئاب ولكنني لا أرى حقيقة أن الفن طريق للجنون أو ضرب من ضروبه، فالجنون هو ذهاب العقل، بينما الفن هو حضور العقل وتوظيفه بالاتجاه الراقي والصحي والسليم، ولا تؤدي الفنون إلى الجنون بأي حال إلا إذا ظهرت تلك الموهبة في شخصية مرضية بطبعها ولديها سمات مضطربة في الأساس. والإبداع تحديداً يقترن بأصالة الطرح وجديته وهذا ما لا نجده في كل من يُطلق عليه اسم فنان فتلك موهبة تتبع مجموعة من القدرات والملكات الشخصية التي تميز الفرد عن غيره وتجعل له حضوراً فريداً وخاصاً ملتصقاً به، فليس كل فنان مبدع.

إن الفن الحقيقي هو أن يقدم الإنسان ما لديه من جوانب إبداعية بقالب جديد في نوعه وفي طرحه، غير أن الإبداع والابتكار والتميز في الإنتاج والإنجاز قد يولد الغيرة والحقد كما يولد الإعجاب والرغبة في الاقتداء من الآخرين. ولكن يظل تمسك ذلك المبدع بمبادئه وقناعته هو ما يضمن له البقاء المعنوي في نفوس الجميع على اختلاف موقفهم منه.

المبدع هو كلٌ وكيان لا يتجزأ، فأصل الإبداع فكرة وتوجه يدرك الفنان بها العالم من حوله، والمبدع علاقته تفاعلية تبادلية مع المجتمع، تنتظر شرائح المجتمع إبداعه لترقي بمستواهم ويهتم هو لتشجيعهم لتقديم أفضل ما عنده.
المبدع يهتم ببقائه في جو يضمن له القدرة على الإبداع المتجدد والمتميز. لذلك فإن اهتمام المحيطين به ليس لشخصه وإنما لمنتوجه الثقافي والفكري العام.
وقد نجد غالباً بأن الفنان يتميز برهافة الحس في حياته الشخصية وتجاه كل ما حوله من أحداث وأشخاص ومؤثرات خارجية كما يكون أكثر تأثراً في تقبله للنقد وفي هذا يتفاوت الفنانون في الحساسية الطبيعية والمفرطة المرضية وبالتالي ترتبط الحساسية بالمزاج المتقلب، ويتسم الفنان عموماً بشخصية لديها تأثر عال بالأحداث من حوله وهذا ما يجعل درجة إحساسه بما حوله عالية جداً، وإذا شعر الفنان في نفسه حساسية زائدة، فعليه توظيف تلك الحساسية نحو مواطن الإبداع التي يتقنها، والحرص على عدم تحويل الحساسية إلى مشاعر انفعالية غاضبة هجومية على الذات أو على الآخرين.
أما إذا شعر الفنان بمزاجه المتقلب فعليه أن يوجه ذلك إلى تنويع اهتماماته، وأن لا يلزم نفسه للعودة لحالته الطبيعة بوقت زمني سريع، بحيث يتمتع بقسط من الراحة والاسترخاء خلال تلك الفترة في حياته، ويمارس ما يحبه بعيداً عن الانفعالات فذلك يستخرج من داخله نقاط إبداع أخرى.
في الوضع الطبيعي مهنة الإنسان هي مساحة للإبداع في حياته، والمبدع في أحد مجالات الفنون يعتمد على الموهبة والذكاء وعلى الشخصية اللامحة والتي تتسم بالذوق العالي والقدرة على الابتكار ولذلك فهي ليست مجالاً لتنفيس الضغوط بل هي مجال لتحقيق الذات وتقديرها واحترام الطاقة والقدرة الشخصية ، وتوظيف الإمكانيات الذاتية بشكل صحي سليم وتعتبر تلك النظرة المتميزة هي نقطة الإبداع الأولى.

العمل الفني يقود صاحبه إلى أجواء اجتماعية تتسم بالمدح والإطراء والاستحسان وهذا ما يجعل البعض يستعلي دون أن يدري وذلك عند استشعاره لطاقاته ونقاط قوته التي لا يتمتع بها غيره، ولعل هذا الشعور يتولد أكثر عند بعض الشخصيات التي لا يكون إبداعها أصيلًا.

وقد أشارت نتائج الجهود الكبيرة للدراسات النفسية أن هناك اضطرابات نفسية أكثر انتشاراً في الفئات الإبداعية مثل الفنانين والكتاب مقارنة مع العلماء أو المثقفين الأقل إبداعاً. وقد ذكر بأن هناك صفات مرضية في الشخصية مرتبطة سببياً مع بعض أنواع الإبداع القيم، والحقيقة أنه لا توجد نتائج علمية قطعية حول العلاقة السببية بين الإبداع والاضطراب النفسي. ولكن تظل بيئة العمل في المجال الفني باختلاف أشكاله بيئة قد تظهر بها أنواع وألوان من المنافسة ذلك أن النجاح بها يعتمد على ملكات شخصية خاصة مما يزيد من درجة المنافسة والتي قد تأخذ عند البعض اتجاه الغيرة أو الانفعالات المتشنجة.

استشاري الطب النفسي في مركز مطمئنة في مسقط

*الأمين العام لاتحاد الأطباء النفسيين العرب*