د. لميس ضيف
ليس ثمة منّا من يطالب الأطباء بأن يكونوا «محسنين» أو أن يعملوا مجاناً في عياداتهم. فهم شريحة أنفقت شبابها وشحذت كل قواها لتصل لما وصلت له من علم وخبرة، ومن حقها أن تنال قطاف ذلك. كما أن الجميع متفق -ضمنياً- أن المستشفيات الخاصة يجب أن تنال ربحاً لائقاً يعادل استثماراتها. لا مراء في كل ذلك، ولكن ثمة ما يُوجب أن يرسم الناس خطاً يفصل الربح عن الاستغلال. ويقوض المضاربة في الأسعار التي تنافي نبل المهنة.
لا نعمم هنا قطعاً ولكن الجميع يعرف عما نتحدث. فكل من اضطرته الظروف لطلب خدمات طبية لا يمكن الحصول عليها بالسرعة المطلوبة في القطاع الحكومي. وكل من أحتاج لخدمات متخصصة لا يريد انتظار موعدها لأشهر. تقوده قدماه للمستشفيات الخاصة. وقد تكلفه زيارة واحدة لعيادة أو مستشفى ربع راتبه أو أكثر. ولأن الألم، لاسيما إن كان في طفل أو عزيز، أعلى صوتاً من اقتراحات العقل يدفع المرء صاغراً. ولا يدري لم تكلف كل خطوة من خطوات العلاج هذه المبالغ. ولا يستطيع أن يسأل. وإن سأل لا يملك حق المجادلة. وإن جادل فلن يأخذه مركب الاحتجاج لمرفأ!
تقول إحداهن: أدخل طفلي الصغير أصبعه في آلة ولم يتضرر بقدر ما أصابه وأصابني الرعب. دخلت به لأقرب مستشفى خاص فطمأنوني ووضعوا على أصبعه ضمادة. مجرد «بلاستر» صغير كلفني 15 ريالاً بوصفه علاجاً! وكلفتني رؤية الطبيبة لأصبعه 10 ريالات، وكلفني فتح ملف مثلهم! دفعت 35 ريالاً ليضعوا «بلاستر» صغير على يد طفلي لا تكلف 50 بيسة!
أخرى روت بحرقة أنها في حملها اضطرت للذهاب لمستشفى خاص بعد أن شكت من كحة استنزفتها. كلفها فحص الطبيب في جهاز للنفخ 50 ريالاً. وبحسبة لم تفهمها كلفتها تلك الزيارة 270 ريالاً، ولأنها لم تتخيل هذه التكلفة لم تستعد لها واضطرت لانتظار المساعدة من شقيقتها ما أوقعها في حرج لن تنساه يوماً.
ويبقى السؤال الشاخص ماثلاً: هل هناك معايير واضحة لتكاليف العيادات والمستشفيات الخاصة؟ هل هناك ضابط للمبالغة وكابح للجشع الذي يستبد بالبعض؟
إن الخدمات الطبيبة ليست أمراً كمالياً ليُترك على عواهنه لتقلبات السوق وأمزجة التجار. ولا يمكن التعويل على «ضمير» مقدم الخدمة بل يجب ضبطه بسقوف تضمن حقوقه بصفته مستثمراً، وتحمي حق طالبي الخدمة المضطرين أيضاً.