مستقبل التصنيع في الجنوب العالمي

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١١/أبريل/٢٠١٨ ٠٤:٤٤ ص
مستقبل التصنيع 

في الجنوب العالمي

اوتافيانو كانوتي

في الأسواق الناشئة كان ينظر للتصنيع تاريخياً على أنه مصدر للإنتاجية والنمو والوظائف، ومنذ الخمسينات جعل التصنيع الاقتصادات في أمريكا اللاتينية وآسيا وشرق أوروبا تتصاعد بثبات لتصل إلى مراحل أعلى من التنمية. لكن كاستراتيجية للنمو للدول محدودة الدخل فإن فعالية التصنيع التقليدي في انخفاض، فمن أجل التنافس في الاقتصاد العالمي المستقبلي، الذي تحركه التقنية سيتعين على الدول النامية تطبيق نماذج جديدة من أجل زيادة الإنتاجية وإيجاد وظائف للناس.

هناك عاملان وراء التشكيك في حكمة التنمية القائمة على التصنيع. العامل الأول هو التنافسية: جذب الإنتاج للدول محدودة الدخل قد أصبح أكثر صعوبة مقارنة بأي وقت مضى، إذ توجد منافسة شرسة تتعلق بتكاليف القوى العاملة وأسعار الصرف والبنية الأساسية، ما أدى إلى تعزيز وتدعيم مراكز التصنيع العالمية. إن العامل الثاني هو التقنية، وبينما تعمل الروبوتات والذكاء الصناعي على تخفيض تكلفة القوى العاملة فإن المنطق لنقل التصنيع للاقتصادات الناشئة قد تضاءل وهذا يشكل مشكلة على وجه الخصوص للبلدان في منطقة جنوب الصحراء الأفريقية التي أصبحت تلجأ مؤخراً للتصنيع من أجل تحفيز النمو وعلى المدى القصير فإن البلدان النامية التي تعتمد على التصنيع بإمكانها التنافس من خلال تحسين بيئة الأعمال وتدريب القوى العاملة الأكثر مهارة ولكن عاجلا أم آجلا فإن الأجور والقوى العاملة لن تقدم ميزة تفضيلية.

مع تضاؤل إمكانية أن يؤدي التصنيع التقليدي إلى تعزيز النمو الاقتصادي المستقبلي في الجنوب العالمي، يستكشف الاقتصاديون نماذج جديدة من الإنتاجية وإحدى تلك الأفكار هي تشجيع الانتقال إلى الخدمات مثل الخدمات المصرفية والتمويل والاتصالات والتأمين وحتى أن البعض يتوقع أن تصبح مراكز التصنيع بمثابة مواقع «لإنتاج» الخدمات، وبالنسبة للدول النامية على وجه الخصوص فإن النشاطات التي تعتمد على التقنية يتم التعامل معها على أنها الترياق لحل المشاكل الاقتصادية، وذلك نظراً للتكاليف الهامشية المنخفضة لتوسيع الإنتاج.
لكن تبني قطاع الخدمات بشكل منعزل لن يتغلب على التحديات الاقتصادية وتلك المتعلقة بالتوظيف التي يواجهها الجنوب العالمي وبخلاف التصنيع التقليدي، الذي يوظف أعداداً كبيرة من القوى العاملة محدودة المهارة، فإن قطاع الخدمات الموسع لن يعوض الوظائف التي تم فقدانها بعد إغلاق المصانع ومع وجود بعض الاستثناءات الملحوظة -بما في ذلك البناء والسياحة- فإن القطاعات غير التصنيعية لا تستطيع تحقيق مكاسب إنتاجية بينما تعمل في الوقت نفسه على ضمان وجود توظيف كافي، وعليه فإن التخلي التام عن الوضع القائم لن يكون فكرة جيدة. لكن هناك حل: إن بإمكان الأسواق الناشئة تطوير إستراتيجيات فيها درجات من الاختلاف تعمل على دمج عناصر من عمليات الإنتاج للسلع المادية وغير المادية، ولكن لو كان مستقبل الإنتاج هو عبارة عن مزيج من التصنيع والخدمات فإن على البلدان محدودة الدخل التأقلم.
يحتاج العالم لتعلم الكثير عن التفاعل بين التصنيع والخدمات ولكن هناك شيء مؤكد: التقنية هي جوهر العملية الانتقالية، وكما لاحظ زملائي في البنك الدولي مؤخرا ماري هالوارد -درايمير وجاوراف نايار فإن التصنيع المترابط -عندما يتم ربط الآلات والمعدات معا وبالإنترنت- هو مستقبل التصنيع. إن ما يطلق عليه «المصانع الذكية» ستدفع بالتصنيع للإمام ولو أرادت الأسواق الناشئة التنافس ضمن قطاع الإنتاج الواسع هذا فإن المسؤولين عن تلك السياسات سيحتاجون لرفع مستويات الأتمتة والتنافسية والترابط في اقتصاداتهم. إن «إضفاء الطابع الخدماتي على التصنيع» هو أمر سيتوجب على صناع السياسات في كل مكان التعامل معه وخاصة في الدول النامية ويجعلهم يواجهون خيارات صعبه فليس كل الاقتصادات ستستفيد من الخدمات المرتبطة بالتصنيع مما يتطلب الإبداع والابتكار من أجل تحديد كيف يمكن للخدمات أن تساهم في التطور الحاصل في المصنع.
ولكن وكما لاحظ هالوارد-درايمير ونايار فبغض النظر عن مكان حصول الإنتاج فخطوط الإنتاج المستقبلية ستكون أذكى من خطوط الإنتاج الحالية وعليه فإن «الأجندة ستكون إعداد البلدان لاستخدام التعاون عبر القطاعات للمشاركه في كامل سلسلة القيمة لمنتج ما وفي الوقت نفسه استغلال الفرص الفردية التي تتجاوز التصنيع».
وعليه فإن تعزيز توظيف القوى العاملة محدودة المهارة أو غير الماهرة مع المحافظة على مستويات جيدة من النمو سيصبح أكثر صعوبة، فالعولمة والتقنيات جديدة تغير بشكل دراماتيكي المشهد التصنيعي العالمي مما يجبر القادة في الاقتصادات الناشئة على إعادة النظر في توجهاتهم التي تهدف لتحقيق الازدهار والرخاء.
لحسن الحظ فإن هناك ما يجمع التصنيع والخدمات اكثر مما يفرقهما ولو تمت إدارة «المصنع الذكي» بشكل فعال فإن اقتصادات الجنوب العالمي قد تجد فرصاً جديدة للنمو. إن البديل – البطالة مع محركات اقتصاديه خرقاء- هي نتيجة لا يستطع أحد تحمل نتائجها.

مدير تنفيذي في البنك الدولي.

اوتافيانو كانوتي