
محمد محمود عثمان
mohmeedosman@yahoo.com
أتابع منذ سنوات مؤتمرات منظمة العمل العربية بل والدولية، وأكاد أجزم بأنني أرى ضجيجاً واهتماماً كبيراً من قبل الدول بهذه المؤتمرات، ووفوداً كبيرة تذهب وأخرى تعود، وطوارئ بالمطارات لاستقبال وفود منظمة العمل العربية وتوديعها، وحقيقة لم أر على الأرض طحيناً مفيداً، لأننا حتى الآن لم نتمكن من وضع رؤية عمل عربية مشتركة تجعل من العالم العربي نموذجا في مقاومة الفقر وتنمية الدخل والقضاء على البطالة والجوع والمرض في أفق أو رؤية 2030، وتفعيل التوصيات المتتالية لهذه المؤتمرات.
ولنبدأ من توصيات مؤتمر العمل العربي الأخير في دورته الـ 44 الذي أوصى فيها باعتماد نموذج تنموي عربي بديل ومستدام، يرتكز على سياسة تنموية أكثر تفتحا على الخارج وأحسن استخداما للتكنولوجيات الحديثة وأكبر اعتمادا على المعرفة وأكثر تنوعا لمصادر النمو من خلال إيجاد بيئة تشريعية وتنظيمية ملائمة ومحفزة للاستثمار، وتضمن التكامل بين القطاعين العام والخاص وإعطاء الأولوية القصوى في توجيه الاستثمارات القطاعية للأنشطة الواعدة المرتبطة بالتجديد والابتكار، وتطوير المنظومة التعليمية من أجل تحسين آفاق التشغيل وتقليص الفجوة بين مخرجات المنظومة ومتطلبات أسواق العمل والتوجه نحو إرساء منظومة تعليم تضمن استدامة التنمية وتوفير فرص عمل، بمستوى المعايير الدولية المعترف بها من خلال تطوير طرق ومناهج التدريس ونظم التقييم وتطوير القطاع الخاص في مجال التعليم لتخفيف الأعباء على الدولة.
وهي صيغة إنشائية لا غبار عليها بل إنها تصيب كبد الحقيقة التي نصبوا إليه منذ إنشاء منظمة العمل العربية في يناير من العام 1965 - وحتى الآن - كمنظمة متخصصة في شؤون العمل والعمال منبثقة عن جامعة الدول العربية، وإذا أضفنا إلى ذلك ضرورة العمل على بناء مقومات منظومة تدريب مهني مستدام وفق أرقى المعايير الدولية المعتمدة ومتطلبات المنافسة والإنتاجية التي ترتكز على عدة منطلقات رئيسية منها إدراج التدريب المهني ضمن رؤية شاملة لمنظومة تنمية الموارد البشرية وضمان جودة منظومة التدريب المهني تزامنا مع متطلبات الاقتصاد وسوق العمل في ظل المنافسة الدولية المستعرة، فأين نحن من ذلك اليوم مع انعقاد الدورة ال 45 للمنظمة بالقاهرة؟
الغريب أننا لم نعترف بعجز المنظمة خلال هذه السنوات الطويلة من عمرها في إقناع الدول الأعضاء بالتصديق على اتفاقيات العمل العربية، دعما للنشاط المعياري العربي وتحقيق أهدافه في تطوير تشريعات العمل والنهوض بشروط وظروف العمل في الدول العربية لتفعيل الميثاق العربي للعامل ودستور منظمة العمل العربية، لمواجهة المتغيرات التي طرأت على ديناميكية أسواق العمل العربية، ووضع تصور مستقبلي حول كيفية مواجهة التحديات التي تواجه هذه الأسواق، ولاسيما مشكلة البطالة المتفاقمة، التي تشكل هاجسا عالميا في ظل شبه عدم قدرة الحكومات - منذ عدة سنوات - على خلق فرص عمل جديدة تستوعب جحافل الخريجين التي تدخل سوق العمل سنويا، وتشبع القطاع الخاص بالأيدي العاملة غير الماهرة التي تفرض عليه أحيانا وفق سياسات توطين الوظائف المتبعة في كل دولة، وكذلك فشل منظمة العمل العربية في تطوير تشريعات العمل في الدول الأعضاء والعمل على توحيدها وتحسين ظروف وشروط العمل، حتى تلامس مباشرة القضايا الحقيقية للعمال في الوطن العربي، بعيدا عن الصياغات البلاغية الجوفاء، لأن هناك توصيات واتفاقيات عربية وعالمية لا زالت مهملة، ولم يتم التصديق عليها، على الرغم من إنها تتعلق بمصالح وحقوق أساسية للعمال في الوطن العربي، سواء من الأيدي العاملة الوطنية أم الوافدة، التي تتزايد مشاكلها عاما بعد آخر، خاصة أن معظم الدول العربية تتنصل من هذه الاتفاقيات أو تتهرب منها، ولم تجعلها حتى الآن جزءاً من قوانينها المحلية، ولا أبالغ ولا أكون متجنيا، إذا قلت أنه منذ إنشاء منظمة العمل العربية قد تفاقمت تحت مظلتها مشكلات العامل العربي عبر هذه السنوات العجاف، وأمامها ملف مفتوح ومترهل حول أحقية العمالة المهاجرة في التجنيس بعد عدة سنوات كما يطبق في الدول الأوروبية، وكذلك ملف الهجرة غير المشروعة للأيدي العاملة العربية التي تلقى حتفها يوميا على شواطئ أوروبا أملا في مستقبل واعد، وهروبا من منظومة العمل العربية التي يحكمها نظام «الكفيل العربي» حيث عجزت تماما عن الاقتراب منه أوتنظيمه بما يتوافق مع معايير العمل الدولية والنظم العالمية والشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان، إلى جانب إهمال حقوق العمالة الوافدة من حقها في التأمين ضد البطالة والتأمينات الاجتماعية، التي تظهر سلبياتها الآن على السطح، مع حالة عدم الاستقرار التي تشهدها أسواق العمل في بعض الدول مثل ليبيا والعراق واليمن والصومال وسوريا، وفقد الكثير من العمال وظائفهم، التي صاحبها التراجع الحاد في أسعار النفط.