
د.لميس ضيف
مرّت على هذا العالم المشؤوم بالطغاة خمسة أجيال من الحروب: الحرب البدائية حيث العدو معروف، والصديق معروف، في حروب لغتها الدرع والسيف ومبدؤها الكمائن والإغارة، وكانت تلك حروب تُحسم في أرضها، إما بإبادة العدو أو باستسلامه، ليأتي بعدها الجيل الثاني من الحروب حيث لا تنحصر المعارك بالجنود بل تطال المدنيين، وقد تشترك فيها عدة دول ضد أخرى كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأسلحة ذلك الجيل كانت متنوّعة، القصف الجوي والحصار الشامل، الجواسيس وحروب الدعاية وبقى العدو معروفا والصديق معروفا في أرض تجمع الخصمين.
وجاء الجيل الثالث ليعرِّفنا على ما سُمِّي بالحرب الباردة، وهي حرب بين كتلتين تُخاض بالوكالة في أراض أخرى “كوريا، فيتنام، أفغانستان” وكانت حربا تعتمد على الاستنزاف والمنافسة، استنزاف الخصم عسكريا واقتصاديا وشيطنته عقائديا وفكريا مع التنافس على السبق العلمي في مجال الطاقة والسلاح والفضاء.
ومع السقوط المدوّي للاتحاد السوفييتي، وما خلّفه من خلل في موازين القوى، ظهر جيل رابع من الحروب تقوم على مبدأ سحق الخصوم الضعفاء بعد تشويههم إعلاميا. وكان العراق وصربيا وأفغانستان ميادين لهذه الحروب الفوضوية التي لا تفرّق بين مذنب وبريء، وتدمّر البنى الأساسية للدول بحجة إعمارها، وتشرّد أهلها بدعوى تحريرهم!
ثم جاء جيل الحروب “اللاعنيفة” الجيل الذي نشهده اليوم، حيث تتآمر إمبراطوريات النفوذ والمال العصرية لتدمير الدول دون مقارعتها عسكريا. وتحتل دولاً -اقتصاديا وسياسيا- وتستحوذ على ثروات الدول طواعية وتحتل إرادتها السياسية بخبث يغنيها عن تلويث يدها بالدم.
يظن الكثيرون أن تلك المرحلة ستطول، لكن المراقب للمشهد يعرف أننا الآن على أعتاب الجيل السادس من الحروب والذي يتّخذ شكلا أقرب ما يكون لشكل الحرب الباردة، حيث تستخدم الأسلحة التي تمثّل ثاني أكبر مصدر لدخل الدول المتآمرة على غيرها، للتنافس وتصفية الحسابات في أراض أخرى، وإذا كان التنافس في الجيل الثالث امتد للعلوم والمنجزات فالتنافس في هذا الجيل سيكون محصورا في سلخ ثروات الدول الثرية، واستلاب إرادة الدول الإستراتيجية وتحطيم الروح المعنوية للمنافسين. إنها حرب ضروس، ستغيّر وجه العالم بشكله الحالي، وستُعيد عصر القوتين والاستعمار بشكل عصري.
إننا مجرد عشب، ذاك العشب الذي قال عنه الفيلسوف طاغور “عندما تتقاتل الفيلة يُدهس العشب” وليس للعشب إرادة ولا صوت ولا يملك شجاعة الحروب المفتوحة، أقصى ما يمكننا فعله هو أن نبتعد عن أقدام “الفيلة” علّنا نسلم من الدهس والتـــــــدافع عوضا عن أن نحـوّل أنفسنا لأداة في صراع لن نكسب فيه أيا كان المنتصر.