x

الصين المزدهرة

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٩/مارس/٢٠١٨ ٠٢:٣٨ ص

أندرو شينج
شياو قنج

في أعقاب «الجلستين» في الصين -الاجتماعات السنوية للهيئة التشريعية الوطنية والهيئة الاستشارية السياسية العليا- يبدو أن كل المراقبين الغربيين لا يناقشون الآن سوى إلغاء حد الفترتين لولاية الرئيس شي جين بينج، الذي تصرّ وسائل الإعلام الدولية على أنه يسعى إلى توطيد سلطته، وربما يعمل حتى على إرساء الأساس لتقديس شخصيته على غرار ماو تسي تونج. لكن هذه القراءة معيبة بشكل جوهري.

الواقع أن النظرة الغربية الغالبة التي تزعم أن سلطة شي جين بينج المتنامية تمثّل اتجاها خطيرا تعكس جزئيا القلق بشأن التحديات المتزايدة التي تواجه الديمقراطية في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء أوروبا. ولكن من غير المنطقي النظر إلى التطوّرات السياسية في الصين من خلال عدسة غربية، وخاصة في وقت حيث يتحوّل العالَم من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعددة الأقطاب.

ينبغي لنا أن ننظر إلى التغيّرات الأخيرة في الصين باعتبارها جزءا من عملية أوسع نطاقا، حيث تنشأ أنظمة حكم متنافسة للتغلّب على التحديات المعقّدة المترابطة عالميا، مثل التكنولوجيات المعطلة للنظم القديمة، والمنافسات الجيوسياسية، وتغيّر المناخ، والتحوّلات الديموغرافية. باختصار، تسعى البلدان إلى إيجاد أساس راسخ للحكم.
في عالَم سريع التغيُّر، يجب أن تعمل أنظمة الحكم على دعم عملية اتخاذ القرار بسرعة في ظل ظروف عدم اليقين المطلق، في حين تسعى إلى الحفاظ على المساءلة. وهذا -وليس التوقع الغربي للهيئة التي ينبغي أن يكون عليها الحكم- هو المعيار الذي ينبغي لنا أن نستخدمه لتقييم التطوّرات السياسية في الصين.
في حقيقة الأمر، لم يعُد الحكم على النمط الغربي يبدو مثل معيار الذهب الذي طالما روّج له دعاته وأنصاره. إذ تواجه الديمقراطيات الغربية تهديدات داخلية خطيرة -وأبرزها القوى الشعبوية التي تتبنّى سياسات بالغة الخطورة مثل تدابير الحماية التجارية- نشأت إلى حد كبير كاستجابة لفشل هذه الأنظمة في التعامل مع مشكلات مثل التفاوت في الدخل، والاستقطاب السياسي، وارتفاع الديون، وفشل البنية الأساسية.
ويعكس هذا الفشل جزئيا الاتجاه إلى تلبية مطالب الأمد القريب، والذي يهيمن على الديمقراطيات الغربية، حيث تُفضي الدورات الانتخابية القصيرة (من نحو ستة أشهر إلى أربع سنوات) إلى إرغام الساسة غالبا على التركيز على قضايا دورية، بدلا من المعوقات البنيوية التي تحول دون تحقيق مكاسب الإنتاجية طويلة الأجل ونمو الأجور. (على نحو مماثل، تميل الشركات الغربية إلى تأسيس عملياتها على أساس النتائج الفصلية، وهو ما يجعلها بالتالي تهمل المخاطر والفرص طويلة الأجل).
في المقابل، عندما يعكف قادة الصين على صياغة وتنفيذ السياسات فإنهم يميلون إلى التفكير في آماد تمتد لعقود من الزمن. وهو أمر بالغ الأهمية لتمكين الاستجابة الفعّالة للمشاكل البنيوية -مثل الفساد، والتلوث البيئي، والتفاوت بين الناس- التي نشأت بفعل جيلين من النمو السريع والتنمية.
الواقع أن البيروقراطية الحالية، التي تعمل داخل صوامعها، تتصدى بالفعل لهذه المشاكل، من أجل إيجاد مجتمع أكثر عدالة وإبداعا وقدرة على التكيّف. عندها فقط يصبح بوسع الصين أن تُفلت من «فخ الدخل المتوسط» سيئ السمعة قبل أن تبدأ الشيخوخة السكانية في زيادة خسائر النمو الاقتصادي.
على نطاق أوسع، حدّد قادة الصين هدفا يمتد ثلاثين عاما لتحديث اقتصاد البلاد وحكمها -وهو هدف طويل الأجل يعكس الرؤية التي تمكّنت قِلة من البلدان من التعبير عنها، ناهيك عن تنفيذها. ومن خلال إزالة الحد الأقصى للفترات الرئاسية، يعمل قادة الصين على تحسين فرص النجاح، من خلال فتح الطريق أمام شي جين بينج ونائبه وانج تشي شيان لمواصلة تحقيق هذه الرؤية.
الواقع أن شي ووانج سياسيان مخضرمان يتمتعان بخبرة واسعة في التعامل مع الأزمات وإدارة التحديات المؤسسية والاجتماعية المعقّدة، من المستوى المحلي إلى العالمي. وكل منهما يملك فهما عميقا للتاريخ، فضلا عن الكاريزما والإرادة اللازمة لمجابهة المصالح المكتسبة المتمرّدة. وبالتالي فإن استمرارهما في القيادة لا يقدّر بثمن.
لكن هذا لا يعني أن المساءلة ستضيع. بل على العكس من ذلك، وافق مجلس الشعب الصيني على إجراء إصلاح شامل للبنية الحاكمة في الصين، وإنشاء لجنة إشرافية وطنية لمراقبة الفساد من قِبَل كل المسؤولين الصينيين، بصرف النظر عن انتماءاتهم أو مكانتهم في الحزب الشيوعي الصيني.
كما خضع مجلس الدولة للهيكلة، مع دمج وتبسيط الوزارات واللجان والهيئات لجعلها أكثر قدرة على إدارة الإصلاح بطريقة أفضل تنسيقا وأكثر كفاءة. على سبيل المثال، جرى الجمع بين الزراعة والشؤون الريفية في وزارة واحدة، كما حدث مع كل القضايا البيئية.
على نحو مماثل، وفي محاول للحد من مخاطر القطاع المالي (بما في ذلك الاستدانة المفرطة ونظام الظِل المصرفي)، جرى توحيد الضوابط التنظيمية المصرفية والتأمينية في إطار اللجنة الصينية للتنظيم المصرفي والتأمينات. ومن شأن هذه الإصلاحات المؤسسية الشاملة أن تجعل بنية الحكم في الصين تبدو مشابهة وظيفيا لنظيرتيها في الولايات المتحدة وأوروبا.
مثلهم كمثل شي ووانج، يتسم المسؤولون في هذه المؤسسات بالإخلاص لعملية الإصلاح والكفاءة والخبرة. وسيكون مساعد رئيس الوزراء لي كه تشيانج نائبا لرئيس الوزراء ليو المتعلّم في هارفارد، الذي أنفق أكثر من ثلاثين عاما في التخطيط طويل الأجل للتنمية، والذي يتمتع بفهم عميق للكيفية التي تعمل بها قوى السوق على دعم تخصيص الموارد بكفاءة. تكمن الإصلاحات المالية في يدي حاكم بنك الشعب الصيني، يي جانج، الخبير الاقتصادي المتعلّم في الولايات المتحدة، ورئيس لجنة تنظيم العمل المصرفي والتأمين، قوه شو تشينج، الخبير الاقتصادي المدرب في أكسفورد والذي يتمتع بخبرة في القيادة الإقليمية، والعمل المصرفي المركزي، وتنظيم الأوراق المالية.
قبل ألفي عام، زعم الفيلسوف الصيني هان فاي أن الحكم الفعّال يتطلب ثلاثة أمور: حكم القانون، والأدوات البيروقراطية، والإرادة السياسية. ومن الأهمية بمكان أيضا تغيير القوانين أو شحذ أدوات الحكم، ولكن هذا لا يعني الكثير في غياب جهود دؤوبة وحازمة من قِبَل القادة السياسيين. لقد تمكّن النظام السياسي من البقاء لأن قادته كانوا على استعداد لمواجهة إخفاقات السوق وأوجه القصور الإداري بطريقة مباشرة ومنسّقة. وستعمل الجهود الجديدة الرامية إلى تعزيز المساءلة -والتي تشكّل أهمية بالغة لتعزيز الشرعية- على دعم النظام.
الحق أن الصين، مثلها في ذلك كمثل الولايات المتحدة وأوروبا، أكبر من أن يُسمَح لها بالفشل. وهي بالتالي مسؤولة عن تطوير نظام حكم قادر على تسليم التغييرات البنيوية لاقتصادها ومجتمعها، في حين يعمل على ضمان المساءلة الفعّالة. والاختبار هنا هو ما إذا كان النظام قادرا على التكيّف مع التحديات طويلة الأجل والمساهمة في الرفاهة الوطنية والعالمية، وليس ما إذا كان عليه أن يلتزم بالمعايير الغربية.

أندرو شنج: زميل متميّز لدى معهد آسيا العالمي في جامعة هونج كونج.

شياو قنج: رئيس مؤسسة هونج كونج للتمويل الدولي.