بولندا الطفولية

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٧/مارس/٢٠١٨ ٠٤:١٠ ص
بولندا الطفولية

سلافومير سيراكوفيسكي

طبقا لآخر التقارير فإن وزارة الخارجية الأمريكية حذّرت وزارة الخارجية البولندية أنها ستعلّق الاجتماعات رفيعة المستوى لو قام حزب القانون والعدالة الحاكم بإقرار قانون جديد بتجريم من يلمح لأي تواطؤ بولندي مع الجرائم التي ارتكبها النازيون ولكن رغم ذلك قام حزب القانون والعدالة بإقرار القانون.
وقبل وقت قصير من التوقيع على التشريع، رفض الرئيس البولندي اندريه دودا حتى تلقي مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك ريكس تيلرسون واليوم وبعد اثنين وسبعين عاما من إعلان ونستون تشرشل عن أن هناك "ستارا حديديا" يُقام في شرق أوروبا، يتم الآن إقامة حدود من نوع جديد "ستار العار".
بينما دول أوروبا الغربية ناضجة لدرجة التعامل مع الخطايا الفائتة وحتى التعلم منها -بما في ذلك تلك التي ارتكبها النازيون- يبدو أن أوروبا الشرقية غير قادرة على ذلك وكما لاحظ المؤرّخ الفكري الروسي نيكولاي كوبسوف مؤخرا أن "قوانين الذاكرة" التي يتم سنّها هناك "تختلف بشكل جذري عن قوانين الذاكرة في أوروبا الغربية لأنهم يحاولون بشكل نشط حماية ذاكرة من ارتكب الجرائم التي ترعاها الدولة عوضا عن ضحايا تلك الجرائم".
إن تسييس حزب القانون والعدالة للتاريخ يشبه ما يفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يقوم نظامه بتمجيد أشخاص سلطويين من القرون الوسطى مثل ايفان الرهيب ولكن من المفترض أن تكون بولندا مختلفة فالسلطوية الروسية والثقافة السياسية فيها متجذرة في تاريخها الإمبريالي وعلى النقيض من ذلك عندما تحررت بولندا من نير النسخة السوفييتية للإمبريالية الروسية كانت متلهفة لتنأى بنفسها من الناحية الثقافية عن روسيا مما أدّى إلى تبنّي الديمقراطية الليبرالية وحكم القانون والانضمام للغرب ومؤسساته وخاصة الناتو والاتحاد الأوروبي بأسرع وقت ممكن.
في السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، بدا وكأن أوروبا الشرقية قد بدأت تدمج نفسها بالثقافة السياسية الغربية حيث تضمن جزء من تلك العملية إعادة إبراز عناصر من التاريخ الوطني التي تم التشويش عليها أو حتى قمعها إبان الحقبة الشيوعية وعليه لم يكن مفاجئا بأن السوفييت أنكروا لعقود بأن ستالين قد أمر بمجزرة كاتن والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الضباط البولنديين سنة 1940 ولكن من المفاجئ أن حكومة بولندية بعد نصف قرن تحاول بنفس الطريقة التملص من الماضي.
منذ 1989 قام المؤرخون بتوثيق الحقائق المتعلقة بالمجتمع البولندي خلال الحرب العالمية الثانية وكما أشار تيموثي سايندر من جامعة يال "لقد تصرّف البولنديون بطريقة أو بأخرى مثل أي أناس آخرين كانوا يعيشون تحت ظل ظروف مشابهة". إن هذا لا يعتبر إدانة للمجتمع البولندي بشكل عام وعليه يتعجب المرء لماذا يشعر البولنديون اليوم بالخجل الشديد لدرجة تجريم أقوال محددة عن تلك الفترة.
إن المرء يتعجب كذلك لماذا العديد من البولنديين يرفضون أن يتقبلوا مسؤولية مصرع الرئيس البولندي السابق ليخ كازينسكي بعد تحطم طائرته بالقرب من سمولنسك، روسيا سنة 2010 حيث ما يزال شقيق ليخ التوأم ياروسلاف وهو اليوم زعيم حزب القانون والعدالة والحاكم الفعلي لبولندا يحيك نظريات مؤامرة عن الحادث رغم أن التحقيق الرسمي خلص إلى نتيجة مفادها أن تحطم الطائرة الذي أدّى إلى مصرع 96 شخصا كانوا على متنها أتى نتيجة أخطاء ارتكبها الطيارون والمراقبون الجويون.
إن رفض حزب القانون والعدالة المطلق الاعتراف بأي ذنب أو ارتكاب أخطاء يعكس انعدام متأصل للنضج ففي واقع الأمر فقط الأطفال الذين عادة ما يصرّون "أنا لم أرتكب خطأ بل هو" وحتى في مواجهة أدلة لا يمكن دحضها وعندما اتصل أهم حليف لبولندا وضع دودا أصابعه في أذنيه.
إن قيادة حزب القانون والعدالة تتصرّف بطريقة طفولية في تعاملها القاسي مع من تعتبرهم ضعفاء -مثل اللاجئين- أو مذنبين، فعلى سبيل المثال يعمل حزب القانون والعدالة على التشهير بالأوكرانيين للدور الذي لعبه جيش التمرّد الأوكراني في التطهير العرقي الذي حصل في منطقة فولنيا إبان الاحتلال النازي.
وكما أثبتت إحدى الشخصيات الرائدة في علم نفس الطفل وهو الطبيب النفسي جان بياجيت فإن الأطفال في المراحل المبكرة من نموهم يمرّون بمرحلة الأنانية: أي أنهم وبشكل طبيعي يركزون على احتياجاتهم ولا يفكرون بالقواعد فيمكن لطفل ما أن يأخذ لعبة طفل آخر ويكسرها ومن ثم ينكر أنه فعل ذلك وعوضا عن الاعتراف بكسر القواعد، فهم يميلون للكذب من أجل التوفيق بين هذه الأمور المتناقضة ففي عقل الطفل هو ليس مخطأ بل العالم وبكل بساطة لديه المعلومات الخاطئة ولأن الطفل يؤمن أن كل شخص يعمل بموجب تعريفه الخاص للصح والخطأ فهو لا يستطيع استيعاب أن شخصا آخرا يمكن أن يرى الأشياء بطريقة مختلفة.
إن النضج يبدأ فقط عندما يبدأ الطفل بفهم أن القواعد والأحكام لا يتم فرضها بشكل اعتباطي من قِبل البالغين بل هي تعكس فهما أخلاقيا مشتركا ومن ثم يبدأ الطفل يدرك أن العمل جيّد ليس لأنه لم تتم معاقبته عليه ولكن لأن العمل جيّد بحد ذاته ويؤدي إلى تسهيل التعاون مع الآخرين.
إن جوانا توكارسكا-باكير من الأكاديمية البولندية للعلوم تذهب أبعد من ذلك عندما تقول "طبقا للتحليل النفسي فإن سياسات حزب القانون والعدالة -الهرب من العار والمسؤولية- تسحبنا مرة أخرى لفترة الطفولة أو حتى للرحم حيث يكون الطفل وبشكل غير قابل للتمييز متداخلا مع مضيفه -الأمة. تلاحظ جوانا أن الأطفال "لا ينتقدون وأبرياء" وأن "العار يأتي فقط مع التنشئة الاجتماعية". من ناحية أخرى، فإن "علم التربية الوطنية"، "يرقى إلى عودة التنشئة الاجتماعية إلى حالة الجنين". والنتيجة هي "الأمة بلا خطيئة" التي يتصوّرها حزب القانون والعدالة.
يقوم حزب القانون والعدالة بتبنّي سياسة طفولية في بولندا وذلك من خلال افتتانه بالسلطة ورفضه التعاون وإنكاره للذنوب ورفضه قبول الأفكار غير المتجانسة وأولئك الذين يفكرون بها وفي واقع الأمر لا يوجد شخص أو حزب يمثل كامل المجتمع البولندي والتشابه بين سلوك حزب القانون والعدالة والأطفال الصغار قد يكون مصادفة ولكن هذا لا يجعله أقل إثارة.

مؤسس حركة كراتيكا بوليتيشنا وهو يعمل كمدير لمعهد الدراسات المتقدمة في وارسو.