
لميس ضيف
لم تكن علاقتي بوالدتي مثالية دوماً. بل هي واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في حياتي.. مرت بفصول عدة، وغير تقليدية، حتى تشكلت بالشكل الذي أصبحت عليه اليوم. حتى ما كان يزعجني منها، أو ما خُيل إليَّ في وقت ما أنه يزعجني، أراه اليوم فيَّ دون نقصان. ولا أبالغ إذا ما قلت أني لا أكاد ألتفت على معلم من معالم شخصيتي إلا وأجد فيه شيئاً منها: قوتي وبأسي، حناني وشغفي، اهتماماتي بل حتى أسلوب إدارتي ليومياتي وعلاقاتي.. فأنا «ظل» تلك السيدة الفاضلة في جوهري، وإن كان لحياتي منحنياتها ومنعطفاتها الحادة التي لا تشبه أياً مما مرت به هي.
******
إنه يوم عيد الأم يا سادة «ذاك الذي حاول بعض الضالين تحويله لعيد للأسرة وأخفقوا»، وقد أججت تلك المناسبة مشاعري، فاسمحوا لي بأن أبسط أفكاري معكم ولا أظن أن ما سأقوله حكرٌ عليَّ وحدي.
*******
مرت السنون وتحولت لأم، متأخرة نسبياً، وجدت سحر الأمومة تجربة مبالغ في تقديرها. جميل أن يكون لك ذرية تختبر معها الحب غير المشروط. لكن هذا الذوبان في حياة آخرين ليس سهلاً.. ليس سهلاً أن تكون كل احتياجاتك في المرتبة الأخيرة. وأن تكون «أنت» في قعر أولوياتك. وأن تصف كل خططك على رف في دولاب أحلامك ببساطة لأنه غير ملائم لمسؤوليتك الجديدة.. فبم تكافئ شخصاً وهبك حياتين: حياتك وحياته؟ سؤال لا أظن أن له إجابة!
في كل عام، في هذا الوقت، أفكر في هدية مناسبة ولا أجد. فأقلب ما أملكه من هدايا مكدسة فأكتشف أنها أهدتني نصفها على الأقل. وسأسرّ لكم بواقعة: ارتكبت ذات مرة خطيئة النسيان وأهديت والدتي عوداً فاخراً ثم اكتشفت أنها من أعطاني إياه فغمرني الخجل! وإذا ما جئنا للجد، وحصحص الحق، فالأمهات لا ينتظرن هدايا؛ فهذه الدنيا، بما فيها من حُطام، لا ثقل لها في ميزانهن. كل ما يبحثن عنه، بعد أن وصلن لسدرة منتهى طريق الأمومة الشاق، هو التقدير. ومعرفة أن هؤلاء الأبناء قد وصلوا لبر الأمان. وأنهم يملكون ما يكفي من الأسلحة ليخوضوا معركة هذه الحياة.
لأمي، ولكل أمهات العالم المعطاءات بلا سقف والسخيات بلا حدود. تهنئة وحب وتقدير في هذا اليوم..
أنتن نور هذا العالم.. فيكن شيء من الملائكة وشيء من الأبطال الخارقين.. ما من شيء نملكه لنرد لكن الجميل لأن الدَّين أكبر من أن يُرد. فنسأل الله أن يجزيكن عن ما قدمتنـّه، وهو كثير، بجزاء من عنده.. ولكل من يقرأ هذه السطور وأمه ما زالت معه أقول، أنت ذو حظ عظيم ترفل بنعمة خفية لا يشعر بها إلا فاقدها.