الاستثمارات الناجحة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٩/مارس/٢٠١٨ ٠٤:٤١ ص

نادين شاكر

أربع من القصص، وأربعة من النجاحات المالية. يوضح رواد الأعمال من جميع أنحاء العالم الدروس المستفادة من زيادة حجم رؤوس الأموال في جولة الاستثمار الأولى.

لقد جذبت الشركات الناشئة بالشرق الأوسط استثمارات تمويلية قدرها 560 مليون دولار أمريكي في العام 2017، بزيادة قدرها 65%عن العام الفائت، حسب تقرير منصَّة ماجنيت MAGNiTT المعنيَّة بالصفقات التجارية الإقليمية، ولكن، لا تحقق الكثير من الشركات الناشئة النجاح في المراحل المختلفة التي تبدأ بتصوُّر الفكرة، ثم الحصول على التمويل اللازم، ثم في النهاية تأسيس الشركة الناجحة. إذن، ماذا يتطلب الأمر لتحقيق النجاح في هذا النظام الإيكولوجي؟

البلاء الحسن

محمود سعيد، 26 عاما، أسّس شركة هابيانا Happiana، الشركة الأولى والوحيدة في مصر التي تقوم بتصميم وتصنيع حلول الشحن المُخصَّصة التي يمكنها شحن مختلف أنواع البطاريات، في العام 2016 باستثمار قدره 1.000 دولار أمريكي فقط. في ذلك الحين، لم يكن يشعر محمود أن هناك القدر الكافي من المنتجات المصرية الشبيهة المناسبة، لذلك عمل هو وفريقه على ابتكار «صن بنك SunBank»، وهو جهاز باور بنك لاسلكي يعمل بالطاقة الشمسية.

لم يكن من السهل تصنيع وتسويق المنتج، فبعد حملة التمويل الجماعي التي أدرَّت فقط 3.000 دولار أمريكي، أوشك محمود على فقدان الأمل في الإنتاج الشامل، ولكن، قامت شركة DMG بشراء تلك الأجهزة بكميات كبيرة، بينما كانت عملية الإنتاج تتم بشكل تدريجي، لذلك لم تحقق المبيعات حصة سوقية كبيرة، وعلاوة على ذلك، اعتاد محمود سماع تلك «اللازمة» من مختلف المستثمرين: «ما تزال في بداية الطريق».
في النهاية، حصل محمود على التمويل الأولي من برنامج تديره إحدى شركات رأس المال المخاطر وهي شركة Innoventures، الأمر الذي كان بمثابة بصيص الأمل الأخير لتحقيق النجاح.
استثمر محمود التمويل الذي حصل عليه في إنتاج المنتج بكميات كبيرة، فكان لذلك الأثر الكبير في تطوير التصميم، وعملية التصنيع، والقيام بمزيد من الأبحاث لتطوير المنتج، والتوصل إلى أفضل تقنيات الإنتاج الشامل. في فبراير، أطلقت شركة هابيانا Happiana الجهاز الأول الذي طوّرته الشركة بشكل كامل، TabZap، وقاموا بزيادة حجم الإنتاج الشهري من 100 جهاز إلى 5.000 جهاز، مع بطاريات بسِعات تتراوح بين 6000 إلى 15000 مللي أمبير.
يقول محمود: «أشرنا إلى أننا لن نسعى للحصول على التمويل طالما لم نقُم ببيع المنتج وإثبات أن الجهاز يعمل بشكل جيّد ويمكنه المنافسة بالأسواق، كنا نشعر أن المستهلك بحاجة إلى مثل ذلك المنتج بالأسواق».
يوضح محمود: «إن لم يكن الأمر كذلك، ربما كنا لنواجه عقبات لم نكن لنتمكن من التغلب عليها».

التمويل الاحتياطي

شركة RoamSmart هي إحدى الشركات الرائدة في تقديم حلول إدارة التجوال، والبيانات الضخمة إلى مشغلي شبكات الهاتف المحمول. كانت انطلاقة الشركة في العام 2012، بعد تحديد الاحتياجات غير المُلبَّاة في مجال إدارة التجوال، على يد مهدي تريكي، ووليد بن شامخ، وشركائهم من المستثمرين. لم يكن لدى الشركة أي زبائن قبل التعاون مع إحدى الشركات التونسية المُشغِّلة لشبكات الهاتف المحمول في العام 2014، ولكن الآن لدى الشركة 40 من مختلف الزبائن بما في ذلك أورانج، وزين، واتصالات، كما تقدّم الشركة خدماتها في 38 بلدا في 5 قارات. يوفر البرنامج الرائد الذي طوّرته الشركة، منصَّة التجوال الموحّدة، لمشغلي شبكات الهاتف المحمول طريقة ذكية لإدارة التجوال. كانت البداية صعبة للغاية؛ فالتمويل الأولى جاء من قرض مصرفي، والأموال الخاصة للشركاء المؤسسين، على مدار ثلاث سنوات متواصلة، كما أوشكت الشركة على الإفلاس مرتين، ولم تتمكن من سداد رواتب الموظفين لبضعة أشهر.

يقول تريكي: «في تلك المرحلة، ساورتنا مشاعر الشك، والحزن، وخيبة الأمل، والفرح، والراحة في الوقت نفسه، وتعلّمنا الدرس الرئيسي، وهو أنه ينبغي عليك ضمان توافر رأس المال اللازم لتمويل الشركة لمدة عامين متتاليين قبل التفكير في تأسيس إحدى الشركات، فإن لم تكن تمتلك الأموال الكافية، ونفدت تلك الأموال قبل تسويق المنتج، فربما تقع في مأزق، وربما لن تتمكن من الحصول على التمويل اللازم».
حددت الشركة لاحقا عدة مراحل رئيسية لاستكمال المشروع، الأولى كانت توقيع شراكة مع أحد الموزعين، وهي شركة Comfone السويسرية الرائدة في تقديم خدمات التجوال، فساهم ذلك في الترويج بشكل كبير للشركة، كما تعاقدت مع العديد من الزبائن الجدد.

وضعت الشركة اللمسات الأخيرة على المنصات، مما ساهم في جذب المزيد من الزبائن في عامي 2016، و2017، كما حققت الشركة زيادة في عائدات النمو وصلت إلى أكثر من 50%، وفي مطلع العام 2016، حصلت الشركة على استثمارات قدرها 330.000 دينار تونسي (تقريبا 130.000 دولار أمريكي) من صندوق تمويل الشركات الناشئة (انطلاق Intilaq)، لتستثمرها فيما بعد في اختيار فريق دعم وتطوير قوي، إلى جانب توظيف الكثيرين. في الوقت الحالي، تضع الشركة اللمسات الأخيرة على الجولة الثانية من الاستثمارات للاستفادة منها في توفير المزيد من الموارد، وإنشاء أحد المراكز المتقدِّمة في أوروبا، ولتمويل الإنفاق التسويقي.

الاستثمارات الخارجية

هذه المرة، كان النجاح حليف شارين لي، ففي البداية افتتحت رائدة الأعمال السنغافورية شارين لي وزوجها مطعما في الولايات المتحدة، قبل أن تقرّر بيعه، ومن ثم إنشاء شركة تجارية، وبيعها هي الأخرى، لتنتقل بعدها إلى الإمارات العربية المتحدة في العام 2005، وبعدها انتقلت إلى العمل في المملكة العربية السعودية كمحاضرة بالجامعة قبل أن تعود مرة ثانية إلى الإمارات، وهناك، لاحظت كيف يُحدِّق الطلاب كثيرا في هواتفهم، ومن ثم أدركت أن الهواتف المحمولة ستسيطر بالكامل على حياتنا، وذلك ما حدث بالفعل.

أسست لي سوق ملتو Melltoo بالتعاون مع زوجها، وهو سوق إلكترونية مُختصَّة ببيع وشراء الأغراض المستعملة، دون أن يُضطر البائع والمشتري إلى مقابلة بعضهم البعض، وبعد 6 أشهر من الانطلاقة في العام 2014، وبعد عدة معاملات، واجه الشركاء المؤسسون مشكلة تحتاج إلى إيجاد حلٍ لها.
«كانت المشكلة الرئيسية تتمثل في المقابلة بين البائع والمشتري، ففي البداية، واجهتنا مشكلة نقل البضائع، لذلك كان علينا إيجاد حلٍ لها، وتوفير الوقت اللازم لذلك، إلى جانب الحاجة إلى الشعور بالأمان من ألَّا يقوم ذلك الشخص الذي ستقابله بأذيتك». تقوم الشركة بتوصيل البضائع المُباعة والحصول على عمولة من كل عملية بيع ناجحة
جمعت سوق ملتو Melltoo استثمارات إجمالية قدرها 1.3 مليون دولار أمريكي على مدار ثلاث جولات من التمويل، الأخيرة كانت من مجموعة من المستثمرين الإقليميين، من بينهم الصندوق السعودي رائد فنتشرز Raed VC، ومجموعة من المستثمرين الآخرين.
تتابع لي حديثها: «كانت العقبة الرئيسية التي تحول بيننا وبين الحصول على الاستثمارات في المنطقة هي تطلع المستثمرين لتحقيق الأرباح في أقرب وقت ممكن، بينما طبيعة دورة استثمار الشركة طويلة الأجل، لذلك عليك استثمار الكثير من الأموال لتحقيق النمو قبل تحقيق الأرباح الكافية، مما جعلنا نواجه الكثير من الصعوبات». تعتقد لي أن النظام الإيكولوجي الإقليمي أكثر مقاومة للمجازفة في الوقت الحالي، ولذلك يخشى المستثمرون المحليون من قلة الاستثمارات بينما تحقق الشركة النمو، فكونك مستثمرا، عليك السعي للحصول على الاستثمارات من خارج المنطقة، عند الحاجة، وكذلك عليك ألا تسعى للحصول على الاستثمارات الكبيرة التي لا يمكنك الوفاء بها.

الإيمان بالمنتج الذي تقدِّمه

قرّر أنطوان فنسنت جبارا، القرصان ومهندس منع فقدان البيانات منذ كان يبلغ من العمر 9 أعوام، الدخول إلى عالم أمن الحاسوب السيبراني في أواخر العام 2014، فكان أنطوان يعتقد أن الكثيرين يجدون مشكلة في عدم تذكر كلمات المرور أو عرضة كلمات المرور للقرصنة، ولذلك قرّر أنطوان، إلى جانب الشريك المؤسس بريسيلا إيلورا شاروك، تطوير تطبيق مُصادِق كلمة المرور الذي يعمل من خلال منفذ الناقل التسلسلي العالمي USB وبصمة الإصبع كي يتمكن المستخدم من الولوج إلى مختلف الحسابات عبر الإنترنت. سرعان ما أصبحت التقنية قديمة، فمباشرة قبل تلقي التمويل الأولي المشترك بقيمة 600.000 دولار أمريكي من بيكو كابيتال BECO Capital، وبي أند واي فنتشر بارتنرز B&Y Venture Partners، كانت انطلاقة هاتف آي فون 5 الذي يتميّز بخاصية التعرّف على بصمة الإصبع، وفي تلك اللحظة، قرّر الشريكان الانتقال من تقديم التقنيات المادية إلى برمجيات الهاتف المحمول، التطبيق الذي أصبح في النهاية تطبيق مايكي Myki لإدارة كلمات المرور دون الحاجة إلى الاتصال بالإنترنت. السمة الرئيسية للتطبيق هي حماية البيانات الخاصة بك بتخزينها بعيدا عن الخدمات السحابية، وبالتالي بعيدا عن متناول القراصنة.

شارك التطبيق في مؤتمر TechCrunch Disrupt في سان فرانسيسكو، ذلك المؤتمر الذي يُعدّ واحدا من المسابقات المرموقة التي تشارك بها الشركات الناشئة من جميع أنحاء العالم، وبينما لم يفُزْ التطبيق في المسابقة، كانت الانطلاقة الناجحة للإصدار التجريبي BETA من تطبيق مايكي Myki في سبتمبر 2016، مع أكثر من 50.000 من المستخدمين، وفي وقت لاحق كانت انطلاقة الإصدار التجريبي BETA للشركات. بعد مرور 9 أشهر فقط، كانت انطلاقة الإصدار الكامل من التطبيق، ومنذ ذلك الحين، يستخدمه 200.000 من الأفراد، بينما منذ شهرين تقريبا، كانت انطلاقة الإصدار الكامل للشركات، وكذلك نجح تطبيق مايكي Myki في جمع استثمارات قدرها 600.000، بينما تستعد الشركة لانطلاقة الجولة الثالثة.
لم يكن الحصول على الاستثمارات يمثل مشكلة بالنسبة إلى مؤسسي مايكي Myki بفضل الفكرة المبتكرة للمنتج الخاص بالشركة، ولكن للإبداع بعض العواقب.
يقول جبارا: «نعمل في مجال يصعُب فيه الإبداع والابتكار، فلا يمكنك العثور على المستثمر الذي يفهم جيّدا ما تقوم به ليقدِّم إليك الدعم اللازم، والأمر الأكثر أهمية هو التحلي بالشجاعة للقيام بذلك بينما لديك أعداء، كما عليك دوما السعي للابتكار وإن كنت حقا تحاول إيجاد حل لمشكلة ما، ستحصل على التمويل اللازم دون عناء».