
باميلا كسرواني
إذا كنت تسير يوماً في أحد شوارع رام الله وصادفت شابة تجلس على طرف الرصيف، تصغي إلى شابات وسيدات يتحدثن بفورة وغضب وتنقل قصصهنّ على آلتها الكاتبة، توقّف لحظة. فها أنت شاهد على أحد نشاطات حملة «لست حبيبتك» التي أطلقتها الشابة الفلسطينية الأمريكية ياسمين مجلي والتي تجمع قصص تحرش تعّرضت لها فلسطينيات من أجل زيادة الوعي بمخاطر التحرش ونتائجه على النساء والمجتمع الفلسطيني.
ظاهرة التحرش الجنسي لا تحظى بأي إحصاءات رسمية في الأراضي الفلسطينية إلا أن هيئة الأمم المتحدة للمرأة التابعة للمنظمة الدولية تقول إن 17.4 في المائة من النساء في الضفة الغربية، و34.8 منهن في قطاع غزة تعرضن لسوء معاملة جسدية.
ولدت وترعرعت ياسمين مجلي البالغة من العمر 21 سنة في الولايات المتحدة من والدين فلسطينيين قررا قبل سنوات العودة إلى الوطن. وفي حديث معها تخبرنا «نهاية دراستي الجامعية في تاريخ الفنون، بدأت الاهتمام بالفن الفلسطيني المعاصر. وبعد تخرجي، عرفت أن أفضل مكان لإتمام أطروحتي هو فلسطين فانتقلت إلى رام الله أملاً بأن أجد عملاً في صالة عرض فنية أو متحف. ولكن حالما وصلت، اصطدمت بواقعٍ مختلفٍ وتبددت كل أحلامي».
إلا أن مجلي قررت البقاء مشيرةً «لا أتخيّل نفسي أغادر فلسطين الآن أبداً» وإطلاق مشاريعها الخاصة؛ مشاريع متنوعة ومختلفة تأتي تحت راية مؤسسة أطلقتها «بابي فيست» (أي «قبضة الطفل» بالعربية) منتصف 2017 كإشارة إلى القبضات الصغيرة لمواجهة مشاكل النساء الفلسطينيات الكبيرة. قد يُعرّف عن «بابي فيست» على أنها علامة تجارية للملابس إلا أن مجلي تعتبرها «الآلية النابضة لحركة تمكين المرأة بفضل نشاطات مختلفة وملابس عصرية». وتضيف أن «الهدف يكمن في تسليط الضوء على القضايا القائمة على أساس الجنس في فلسطين ولكن أيضاً في العالم العربي وإيجاد مساحة آمنة للنساء للمضي قدماً والحديث عن تلك القضايا».
وتجدر الإشارة إلى أن مجلي كانت بدأت بتصميم القمصان والسترات مع عبارات مثل «لست حبيبتك» كوسيلة لتشجيع المجتمع الفلسطيني لمواجهة التحرش الجنسي. وتصنع ياسمين السترات في غزة في حين أن القمصان المختلفة تُصنع في الضفة الغربية في خطوة لدعم الاقتصاد المحلي. وحتى الآن، باعت «بابي فيست» نحو 500 قطعة، %70 منها للمغتربين. ويعود %10 من عائدات المبيعات إلى جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية. قد تكون «بابي فيست» للتأثير الاجتماعي وحملة «لست حبيبتك» قد ولدت نتيجة لتجربة ياسمين مجلي الخاصة مع التحرش في الشارع إلا أنها سرعان ما تحوّلت إلى مشروع أكبر يتضمن الكثير من النشاطات. وتتوقف ياسمين عند مشروع «الآلة الكاتبة» الذي تحدثنا عنه سابقاً والذي انطلق في أكتوبر الفائت والذي كشف لياسمين «الحاجة الماسة للنساء ليس لمشاركة قصصهنّ ومشاكلهنّ فحسب لا بل لفهمها والتوصل إلى سبل للتعامل معها والشفاء من آثارها».
هذه الحاجة دفعت ياسمين إلى إطلاق المزيد من المشاريع التي تسمح للفلسطينيات وإنما أيضاً للشباب الفلسطيني بمشاركة تجاربهم ومناقشتها معاً في محاولة لتضميد الجروح وإيجاد الحلول؛ مشاريع أسبوعية أو شهرية تحاول أن تشارك فيها الرجال والنساء على حد سواء على غرار «ليالي الشعر» («بلاك أوت بوتري») حيث يجتمعون معاً لخلق أبيات شعر حول المشاكل الجنسانية ويطلقون العنان لمخيلاتهم ومشاعرهم مع غرباء لأن الأهم بالنسبة لياسمين هو أنه «إذا لم تدع نفسك تشعر بالألم، فلن تُشفى، أو حتى أسوأ من ذلك: سوف تنسى كيفية الحب». ومن المشاريع الأخرى أيضاً، «موؤودة ومحررة» الذي يعالج مشكلة جرائم الشرف التي ما زالت قانونية في فلسطين بفضل جمع رسائل من الرجال والنساء حول آرائهم وسبل التخلص من هذه الظاهرة.
المغامرة في الحديث ومعالجة هذه القضايا ليس أمراً سهلاً لاسيما أن ردود الأفعال متفاوتة. وتقول لنا ياسمين: «كانت ردود أفعال النساء مختلفة؛ بعضهنّ كان متحمساً جداً وعلى استعداد للمشاركة في النشاطات في حين البعض الآخر كان داعماً وإنما شعر بالخجل أو التحفظ لمشاركة قصصهن أو تجاربهن. ويبقى أن بعض النساء يعتبرن أن هذه القضايا ليست مشاكل حقيقية لا بل حتى أن بعض النساء اعتبرن أنه يجدر التركيز على الاحتلال قبل معالجة القضايا الاجتماعية. أما الرجال، فكانوا عموماً داعمين جداً».
وتشدد أن هذا ما يدفعها إلى تفضيل عبارة «ظلال النسوية» التي تتحدث عن تنوع الحركات النسوية الموجودة في جميع أنحاء العالم. وتشرح قائلة: «ليس هناك مثال واحد عن النسوية يناسب الجميع. ما يخدم النساء الفلسطينيات يختلف عن ما يناسب النساء الفلسطينيات - الأمريكيات مثلاً. هناك نسوية بيضاء، ونسوية عربية، ونسوية إسلامية، ونسوية عربية مسيحية، وما إلى ذلك. وكل ثقافة لها - أو ينبغي أن يكون لها- نسوية خاصة بها.مبادرات وحركات ومنظمات تعمل جاهدةً في منطقتنا لمواجهة القضايا المتعلقة بالنساء وتحديداً موضوع التحرش الجنسي؛ من «لست حبيبتك» و»رام الله ستريت واتش» إلى حملات عمّت مختلف الدول العربية مثل «قاومي التحرش» في لبنان» و»نساء تحت الحصار» في سوريا، و»صوت النساء» في الجزائر و»شوارع آمنة» في اليمن.
كثرة هذه المبادرات قد تكون انعكاساً للحملات العالمية ضد التحرش الجنسي التي انطلقت مع حركة «#مي تو» قبل أشهر. أمال خريشة، مؤسسة جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية تعتبر أن هذه الحملة العالمية مختلفة عن ما يجري في فلسطين لأنها «تطال طبقة معينة من الناس في حين أن التحرش لا يعرف طبقات أو عمر أو حدود جغرافية وأن المشكلة الأكبر في فلسطين هي العقلية».
إلا أنها تضيف: «في النهاية، كل هذه الحملات والمراكز والمؤسسات العاملة في هذا المجال هي مؤشر على تغيير في المجتمع» وتتابع «العام 2017، على سبيل المثال، استقبلنا 365 حالة من النساء المعنّفات وأنقذنا حياة ثلاثة نساء وقدّمنا المشورة لثمانية رجال و18 طفلة.تؤمن خريشة بضرورة تكثيف الحملات وزيادة الوعي إلا أن الأهم يبقى سنّ القوانين من أجل ضمان تجريم العنف ضد المرأة مضيفة: «ولا يكفي النص القانوني وحده لا بل نحتاج إلى الإرادة السياسية لتطوير الخطاب المجتمعي وتطوير مكونات الوعي حول قضية المرأة».