
سمعان كرم
من المفيد والمريح معاً أن نترك مشاغل وهموم الحاضر ونذهب إلى الأمام نحو المستقبل نستشرفه، ونرسمه لوحة جميلة تتسم بالأمل والفرح. ونحن اليوم في السلطنة نعيش فعاليات ناشطة في هذا المجال، إذ تقوم فرق عديدة بوضع الرؤى والاستراتيجيات. تتوارد علينا أنهر من الأفكار والتقارير من استشاريين عالميين يصلون إلينا زرافات ووحدانا، فأضحينا نحن خبراء في تحليل ومقارنة ومقاربة تلك الخطط المستقبلية، في الوقت الذي نسعى فيه إلى إتمام الرؤية 2020، ووضع أختها 2040، وتفعيل مختبرات التنويع الاقتصادي، واقتراح مشاريع تنموية للمحافظات والمناطق، والاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية وتكليف خبراء يكتبون لنا كيف ستكون السلطنة، ويأخذوننا في أحلام جميلة، فلا بأس أن نطلق العنان لخيالنا وتمنياتنا وطموحاتنا. قلت لنفسي أي حلمٍ إذن لمحافظة مسقط والعاصمة بالذات، أنا الذي رافقتها من أوائل النهضة في السبعينات، وأين ستكون هي أو أين أريدها أن تكون في العام 2040؟
عند بدء النهضة المباركة كانت الحياة محصورة في مطرح ومسقط، وكان شارع مطرح يستأسد بالحركة العمرانية والتجارية والفندقية (فندق مطرح)، وكان يحضن أغلب الوكالات التجارية وكانت مسقط مركزاً للهيئات الحكومية والسفارات والمصارف والمدارس والمحاكم ومكاتب كبار التجار. وكانت السيب بعيدة جداً يذهب إليها الميسورون لقضاء فصل الصيف تحت نخيلها. ومنذ ذلك الوقت والمدينة تتسع وتمتد تدريجياً حسب الحاجة والظروف. نعم، كانت هناك مبادرات لتنظيم النمو المدُني لكنها كما تبين لاحقاً بقيت متواضعة أمام عجلة التقدم السريع. وجاءت متراكمة فوق بعضها كما البصلة طبقة فوق طبقة. فبعد مطرح نمت روي وما عرف يومذاك «بمطرح الكبرى» التي رغم تسميتها الكبرى، انحصرت مساحتها من دارسيت إلى أعلى الوادي الكبير. هناك وقف الحلم عند العقبة، حتى حلم المباني الحكومية اقتصر على مبنى المجمع الذي ضم عدداً من الوزارات في طوابقه المحدودة.
وعندما زاد الضغط على مطرح الكبرى من جهة دارسيت ومن جهة شارع هوندا والحمرية جرى تنفيذ طريق دارسيت القرم، وتوسيع شارع الوطية الذي فتح مساحة العمران في منطقتي الوطية والقرم، وقامت أول المجمعات التجارية أي الحارثي وسابكو. ويجب التنويه بأهمية بناء مدينة السلطان قابوس لتوفير السكن خصوصاً للوافدين، وتخطيط منطقة الخوير. وفي الثمانينات جرى نقل سكان الحمرية وغيرها من الأطراف إلى منطقة المعبيلة، وجرى نقل الكثبان الرملية من حي الصاروج وتنفيذ بنيته الأساسية وتجمعت مراكز الشركات في منطقة غلاء الصناعية. أما شارع مطرح - قريات ومروره داخل وادي عدي آخر تطور العامرات إلى ما هي عليه اليوم. وانتقلت جميع الشركات والصناعات الخفيفة إلى غلاء، إذ وزعت أراضٍ شاسعة على المؤسسات والشركات.
امتد العمران على طول الشوارع الرئيسية مثل شارع السلطان قابوس وشارع 18 نوفمبر، والطريق الوسطي والآن نشهد تطور منطقة العرفان ومرتفعات المطار كي تلتحق بالحيل، والخوض والمعبيلة. طبقة بعد طبقة من العمران وهكذا دواليك إلى أن أصبحت غلا في منتصف العاصمة، ومحطة الغبراء في قلبها والمصفاة في فؤادها والمنطقة الصناعية في الرسيل على أطرافها ومعالجة الصرف الصحي في كبدها وخطوط النفط والغاز وإحراماتها كجرح في جسمها.
أين الحلم إذن؟ لست خبيراً في التنظيم المُدني، لكنني أحلم كفرد من سكان مسقط -وقد أكون على خطأ، أحلم أن يلغى النشاط الصناعي بكامله منها، وأن تنقل محطة الغبراء ومحطات معالجة الصرف الصحي والمصفاة والمنظفات الكيماوية، وفحص السيارات ومواقع بعض الوزارات ومصانع المرطبات، وأن يعاد النظر في توزيع الأراضي الواسعة التي خصصت لجهات حكومية مستقلة، كذلك أن تحرر الشواطئ من السيب إلى العذيبة مروراً بميناء الفحل وميناء السلطان قابوس إلى سيفا والخيران وقريات؛ عندها تتنفس العاصمة الصعداء ويصار إلى تخطيط جديدٍ للمدينة، يجعل منها مدينة العلم والجامعات فتقام جامعة عمان وتعزز جامعة مسقط وتقوى جامعة السلطان قابوس. مدينة حوار الحضارات حول جامع السلطان قابوس الأكبر وحوار الأديان والمعتقدات، مدينة الثقافات وتلعب فيها دور الأوبرا دوراً محورياً، وتفعل جمعية الفنون الجميلة، وتقام المعارض والبينالات العالمية والمتاحف والمكتبات العامة، مدينة الموسيقى حول الأوركسترا السيمفونية وتعزيز وتحديث وإحياء التراث العماني للفنون الشعبية، مدينة المؤتمرات والمعارض حول المركز الجديد، مدينة الجيولوجيا إذ إن جبالها بمثابة معرض دائمٍ يكشف جوف الأرض ويأخذ الزائر في رحلة عبر الأزمنة الغابرة، مدينة الرياضات البحرية ومسابقات الإبحار والغطس والتزلج على المياه والصيد ومشاهدة الدلافين والحيتان. 40 % من سياح روندا وأوغندا يذهبون إلى الجبال هناك لرؤية الغوريلا (Gorilla)، مدينة السياحة الهادئة بامتياز بالشواطئ والمنتجعات والمقاهي والملاهي، مدينة ذكية خضراء وهادئة مدينة المشاة والمطاعم والمراكز التجارية العالمية، مدينة التواصل والمواصلات السهلة، المدينة المنسجمة مع بيئتها أي الجبال والبحر، المدينة التي تحترم جبالها فلا تسمح بجرحها لتوسعة أرض أو إنشاء طريق مؤقت، المدينة الهادئة لكن النابضة بالحيوية، المدينة التي تحترم المحميات ولا تتطاول على مساحاتها فتخيف الأحياء والنباتات، مدينة المعاهدات والاتفاقيات السلمية والتجارية العالمية، مدينة فض النزاعات وإرساء السلام.
إن مسقط جميلة بما حباها الله وبأهلها وبما أنجز فيها، لكنها تستحق أن تصبح ملكة الجمال.