البرازيل والليبرالية

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠١/مارس/٢٠١٨ ٠٤:٣٠ ص

روبرت ماجا
أرمينيو فراجا

يتعرض النظام الدولي الليبرالي اليوم لهجوم صارخ. فالتزام الغرب منذ 70 عاما بالأمن المشترك، والأسواق المفتوحة، وإرساء الديمقراطية آخذ في الانهيار، كما يعرف العالم تحولا ملحوظا من نظام عالمي أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب. وسيترتب على هذا التحول عواقب وخيمة.ويبدو أن العديد من بلدان أمريكا اللاتينية التي استفادت من النظام الليبرالي، ولاسيما البرازيل، غير مبالية بانهيارها المحتمل. ولمعرفة السبب، يجب على المرء إعادة النظر في نظام ما بعد العام 1945 الذي أنشأ من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.قام المهندسون في النظام الليبرالي العالمي ببناء شبكة من الاتفاقات الدولية والترتيبات التجارية والتحالفات العسكرية لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية، والتي تتمثل في: تعزيز التجارة المفتوحة، ومنع الحروب ، وإضعاف القومية الاقتصادية عن طريق استبدال نظام بدون نتيجة دام قرون من الزمان بإطار إجماعي إيجابي يمكن لجميع البلدان المشاركة أن تزدهر من خلاله.على الرغم من أن بعض مؤسسات ما بعد الحرب استبعدت أمريكا اللاتينية، فقد قامت حكومات المنطقة بين الخمسينيات والثمانينيات بالمشاركة فيها على مضض. لقد استاؤوا من تصميم النظام الليبرالي في الولايات المتحدة، ولكنهم تقبلوه ما لم تنتهك قواعده السيادة الوطنية بشكل علني. شعرت دول أمريكا اللاتينية باستياء شديد من سياسات إجماع واشنطن في الثمانينيات والتسعينيات، والتي نفذت بشكل سيئ، من أجل استقرار الاقتصاد الكلي، وإلغاء القيود على نطاق واسع، والخصخصة. وفي الوقت نفسه، بدأ النمو المذهل في آسيا، وخاصة الصين، في تحويل الجاذبية بعيداً عن الولايات المتحدة وأوروبا.تناوبت البرازيل، من جانبها، بين دعم وانتقاد النظام الليبرالي. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، تذمرت وزارة العلاقات الخارجية البرازيلية بشأن استبعاد البلاد من المستويات العليا للمؤسسات الدولية، وخاصة مجلس الأمن الدولي.

ومثل بقية دول المنطقة، قاومت البرازيل النفوذ الأميركي، ولكن مع ذلك احترمت قوانين اللعبة. وقد تغير الأمر إلى حد ما خلال رئاسة لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بين العام 2003 و 2010، الذي دعا إلى مزيد من التعاون بين بلدان الجنوب. كما سعت البرازيل إلى التعامل مع الطاقة والأسلحة والبنية الأساسية مع الأنظمة غير الليبرالية، مما أثار حفيظة الولايات المتحدة وأوروبا.

وقد انهار اقتصاد البرازيل تحت قيادة الرئيسة السابقة ديلما روسيف، حيث استلزم «نموذجها الاقتصادي الجديد» سياسات تدخلية وحمائية تخريبية. وخلال سنوات حكم روسيف، كان معدل نمو البرازيل أقل من 2.6 نقطة مئوية من المتوسط الإقليمي لأمريكا اللاتينية، مما أدى إلى فقدان الانضباط المالي، وعكس مكاسب التنمية، وتفاقم استياء الشعب.ومع ذلك، استطاعت المؤسسات الديمقراطية في البرازيل مواجهة هذه الأزمة. وعلى الرغم من ست سنوات من التدهور الاقتصادي وارتفاع معدل الفساد، تمكنت الصحافة الحرة المزدهرة والقضاء المستقل والقوي من إحداث تغيير سياسي وثقافي طال انتظاره في البلاد.
وبنهج سياسات أكثر توازناً وشفافية، يمكن للبرازيل أن تساهم بشكل فعال في بناء نظام ليبرالي دولي أكثر شمولا وتمثيلا. وعلى الرغم من ذلك، فإن البرازيل، باعتبارها واحدة من أكبر الديمقراطيات في العالم وداعمة قوية للتعددية، لديها الكثير من القواسم المشتركة مع أنصار النظام الليبرالي أكثر منها مع الصين أو روسيا.وعلاوة على ذلك، أصبحت نخب البرازيل أقل عزلة وعدائية للعولمة مما كانت عليه في الماضي، وهي مقتنعة أن المواقف الحمائية تؤدي إلى نتائج عكسية. لكن الطبقة الوسطى المزدهرة في البلاد، التي أخرج الكثير منها من منازلهم منذ العام 2013، لن تتحمل ارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات العامة البسيطة، والاستيلاء على الدولة، والفساد المتفشي.
وفي حال تمكن المدعون العامون في البرازيل من مواصلة حملة «مكافحة الفساد» التي أطلقتها «لافا جاتو» («غسيل السيارات»)، ستتاح للبرازيل أيضا فرصة التعويض عن فشل نموذج التنمية بعد الانتخابات العامة في أكتوبر . وتحقيقا لهذه الغاية، سيحتاج البرازيليون إلى انتخاب رئيس مع برنامج إصلاحي تقدمي.
وبغض النظر عن النتيجة، ترتبط البرازيل وبقية أمريكا اللاتينية ارتباطا أساسيا بالنظام الدولي الليبرالي ومؤسساته السياسية والاقتصادية. لا أحد في المنطقة يرغب في العودة إلى اضطراب ما قبل العام 1940.
يجب على البرازيل الآن استغلال الفرصة ليس لإعادة تشكيل سياساتها واقتصادها فحسب، بل أيضا لبناء نظام دولي ليبرالي يناسب عالماً متطوراً ومتعدد الأقطاب. والسؤال المطروح الآن هو: هل سيغتنم البرازيليون هذه الفرصة أم لا؟

روبرت ماجا: مدير الأبحاث في

معهد ايجاريب في ريو دي جانيرو

أرمينيو فراجا: المحافظ الأسبق للبنك المركزي البرازيلي.