
علي بن راشد المطاعني
كثر الحديث عن (البيروقراطية) ذلك المصطلح الشائع عالميا، والذي يعني في ما يعنيه تأخير المعاملات والبطء في الإنجاز والاتكالية وغيرها من المعاني التي تتسم بانعدام الإيجابية وتلاشي روح المبادرة والابتكار والإبداع، كثر الحديث عنها في الجهات الحكومية وطال انتظار الحلول والمعالجات وتشعب التنظير والتأويل والتفسير في هذا الشأن حتى بلغ عثاره وغباره عنان السماء.
إلا أن عدم وجود ما يلزم الجهات الحكومية بآليات واضحة إزاء حتمية قيام نظام تقييم فاعل ومستمر للأداء ولسرعة الإنجاز ودقته فإن الأمور ستظل ساكنة وراكدة مهما علت الأصوات المطالبة بتحريك هذا الماء الراكد، اللهم إلا إذا عمدنا إلى إدخال نظام شهادة آيزو ISO 9001 أو نظام إدارة الجودة والمقاييس الدولية والذي يصدر عن المنظمة الدولية للمقاييس (ISO) المطبق عالميا في الجهات والشركات، لنعيد تطبيقه في مجال جودة الخدمات الحكومية بغرض اختزالها لأدنى المستويات وإلى أبسط الإجراءات.
ذلك يتطلب بطبيعة الحال من مجلس الوزراء الموقر دراسة الأمر والعمل على تطبيق هذا النظام بكل الجهات الحكومية عسى أن يسهم في دفع الأمور قدما للأمام تطلعا لمنافسة شريفة مابين الجهات الحكومية في سرعة الإنجاز وفي التجويد، وذلك سيصب حتما في صالح المواطن وفي الصالح العام حكما.
إن المعاناة من التعقيدات الإدارية ليست قصصا من الخيال إنما هي واقع نعايشه جميعا، وقد آن الأوان للتصدي لها باعتبار إن تبعاتها تؤخر دوران عجلة الحياة ثم إن لها عواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة، فالزمن المهدر سدى يستحيل تعويضه ولا يمكن شراؤه بأي ثمن وهنا تكمن الحسرة.
لا أحد يشكك في جدية التوجهات العليا بأهمية تسهيل الإجراءات وإضفاء المرونة عليها، والرغبة الأكيدة لتحفيز الاستثمارات عبر السرعة في إنهاء المعاملات والاستعانة بالتكنولوجيا في العمل عبر حوسبة الطلبات.
نحن لا نحس بعمق وفداحة المسألة إلا عندما تكون لدينا معاملة خاصة بنا نرغب في إنجازها على وجه السرعة ليتسنى لنا الالتفات للمرحلة الثانية التي لا تقبل التأخير، هنا نصطدم بحقيقة أن المرحلة الأولى نفسها ستأخذ وقتا أطول مما كنا نعتقد، هنا علينا الإقرار أن المرحلة الثانية لن يحين أوانها في القريب العاجل في وضع كهذا.
مجلس الشورى الموقر وفي إطار بحثه عن الحلول الناجعة لهذه الظاهرة كان قد استضاف في مطلع التسعينات ندوة موسعة حول تبسيط الإجراءات الحكومية وتبعتها مئات الندوات والمؤتمرات وحلقات العمل، وأصدرت قرارات وتنبيهات وتعليمات وملاحظات، إلا أن كل ذلك لم يحرك ساكنا للأسف .
إن آليات العمل في الأجهزة الحكومية هي المعطل الأول لرفع مؤشرات التنافسية وسرعة الإنجاز وهي النقاط التي تسعى الحكومة لتحسينها والارتقاء بها لدى المؤسسات والمنظمات الدولية التي تصدر تصنيفاتها الدولية لما لها من أهمية في جذب الاستثمار وتوجيه المستثمرين لهذه الدولة أو تلك، ناهيك عما تمثله هذه المعوقات من إعاقة الاستثمارات الداخلية أيضا وتأخيرها لتجد نفسها مضطرة للهروب لخارج البلاد.
نأمل أن تتواصل الجهود الحميدة في هذا الاتجاه وصولا للصيغة المأمولة والمرتجاة، وهي أن نرى أن سرعة إنجاز المعاملات في السلطنة هي الأفضل إقليميا على الأقل عندها يمكننا انتظار العائد الاقتصادي الضخم بكل ثقة واطمئنان.