مسقط - محمد سليمان
عرف الفلاسفة قديماً أن تحديد الداء يحمل بين طياته تسعين في المئة من الدواء، وفي هذا الإطار عكفت اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الشورى خلال الأشهر الفائتة، على دراسة المعوقات التي تحول دون نجاح القطاع الخاص، وأدائه الدور المتوقع والمنتظر منه، إذ خلصت إلى العديد من المشاكل التي تتعلق بالبنية التشريعية والتنظيمية والإدارية، أملاً في إصلاحها خلال الفترة المقبلة.
«الشبيبة» التقت رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى سعادة د.صالح بن سعيد مسن، الذي أكد في حوار خاص أن تعزيز تنافسية القطاع الخاص، يتطلب الوقوف على التحديات كافة بكل وضوح دون إحجام النظر عن واقعية التحديات والمعوقات التي تحيط ببيئية الأعمال، مشيراً إلى أن اللجنة شكلت فريقاً للوقوف على هذه التحديات.
تفاصليها في السطور الآتية:
بداية، كيف ترى اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الشورى دور القطاع الخاص في السلطنة، وأهميته لدعم وتعزيز الاقتصاد الوطني؟
لقد أدركت اللجنة الاقتصادية والمالية مبكراً الدور المهم والحيوي للقطاع الخاص، ولذلك تبنت اللجنة تقريراً مستفيضاً تناولت فيه معوقات القطاع والمناطق الحرة والحوافز المطلوبة من أجل رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وتمثل الهدف الرئيسي للدراسة في الوقوف على واقع بيئية الأعمال، وما يعترض القطاع الخاص من معوقات تحد من الدور المأمول منه في النشاط الاقتصادي في البلاد، وذلك في ظل سياسة اقتصاد السوق التي تتبناها السلطنة، وفي ظل المرتكزات المعتمدة في الاستراتيجية التنموية (عُمان 2020)، وخطط التنمية الخمسية المتعاقبة المعدّة في إطاراها، ومن بين هذه المرتكزات تقليص الدور الحكومي في النشاط الاقتصادي، والاعتماد بصورة رئيسية على القطاع الخاص في مكونات الناتج المحلي للبلاد، ثم اقتراح الحلول والوسائل والسياسات والتشريعات التي من شأنها إتاحة بيئة الأعمال المناسبة والمناخ الاستثماري الملائم لانطلاق القطاع الخاص، ليلعب الدور الرئيسي في النشاط الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
تحدثت عن تقرير مستفيض حول هذا الأمر، فما هي المنهجية التي اعتمدت عليها الدراسة لرصد واقع التحديات؟
شكلت اللجنة الاقتصادية فريقاً من بين أعضائها أوكلت إليه مهمة إجراء التقرير، إذ عقد الفريق عدداً من الاجتماعات مع المسؤولين بغرفة تجارة وصناعة عُمان، باعتبارها الجهة الممثلة لأصحاب الأعمال والأكثر إلماماً بما يحيط ببيئة الأعمال من إيجابيات وسلبيات، وكذلك عقدنا عدداً من الاجتماعات مع مختلف القطاعات الاقتصادية، بالإضافة إلى ممثلين للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما قامت اللجنة بعدد من الزيارات الميدانية إلى المناطق الحرة والصناعية والمنطقة الاقتصادية بالدقم.
ووضعت في الاعتبار أيضاً أثناء الإعداد، عملية النظر في قانون العمل الحالي وسياسات التوظيف والتعمين بالقطاع الخاص، واستطلاع آراء المسؤولين في الغرفة وعدد من أصحاب الأعمال ذوي الخبرة حول ملاحظتهم بشأن التشريعات والسياسات القائمة، بالإضافة إلى دراسة وتحليل التقرير الخاص بالسلطنة من تقرير التنافسية العالمية (2015 /2016) الصادر من المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يعتمد على تقييم بيئة الأعمال ومدى تنافسية الاقتصاد في كل دولة وفقاً لمعايير محددة، ثم ترتيب الدول التي يشملها التقييم، وفقاً لتنافسية بيئة أعمالها، إذ يعكس هذا التقييم والترتيب المبنى عليه آراء العينة المختارة من الرؤساء التنفيذيين للشركات وأصحاب الأعمال في مختلف جوانب بيئية الأعمال والمناخ الاستثماري.
بعد اتخاذ تلك الخطوات الجادة لدراسة دور القطاع الخاص، بكل شفافية؛ ما هي رؤيتكم لواقع الأعمال؟
إن دور القطاع الخاص العُماني، ومساهمته في تحقيق التنمية الوطنية، يظل أقل من المأمول منه حتى الآن، غير أنه من المتوقع أن تزداد مساهمته مستقبلاً ليس فقط في الإسهام في المشاريع والاستثمارات الكبيرة المخطط لها، ولكن أيضاً في استيعاب المزيد من القوى العاملة الوطنية، مع الوضع في الاعتبار الكثير من الإجراءات والقوانين التي قلصت الفجوة بين مزايا العمل في القطاعين العام والخاص، وتحديد حد أدنى للأجور للقوى العاملة العُمانية العاملة فيه، وتوفير كثير من تيسيرات الاستثمار للمستثمرين العُمانيين، التي يؤمل منها أن تفسح المجال للقطاع الخاص، ليلعب دوراً أكثر فاعلية في النشاط الاقتصادي وبالتالي الإسهام بنسبة أكبر في الناتج المحلي.
أشرت إلى جانب تطوير القطاع الخاص، ولكن ماذا عن الشراكة بين القطاعين؟
تعدّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ذات أهمية كبيرة في مختلف بلدان العالم، وقد جرى إطلاق فريق العمل للشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص بالسلطنة في شهر أبريل من العام 2013، كامتداد للرعاية السامية الكريمة التي يحظى بها القطاع الخاص العُماني من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- بهدف تمكين القطاع من القيام بدوره، كشريك فاعل للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في السلطنة، إذ يمثل القطاع الحكومي في الفريق ستة من أصحاب المعالي، ويمثل القطاع الخاص ستة أعضاء بالتناوب يجري اختيارهم من بين 30 شخصية من أصحاب وصاحبات الأعمال، والذين اختيروا من قبل مجموعة أوسع من ممثلي القطاع الخاص.
ما هو تقييم ورؤية اللجنة المستقبلية لقضية الشراكة بين القطاعين؟
لقد جاء في مشروع خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016 - 2020)، فيما يخص توجهات ومرتكزات الخطة، أن الحكومة ستقوم بتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وأن يعهد للقطاع الخاص تنفيذ المشاريع المجدية اقتصادياً، كما أن الحكومة قد شرعت سلفاً في تعزيز هذه الشراكة وذلك من خلال بعض المشاريع التي قامت بها مؤخراً على سبيل المثال لا الحصر (مشروع الواجهة البحرية لميناء السلطان قابوس).
وتتمحور الرؤية المستقبلية في تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لما يمثل ذلك من أهمية كبيرة للمرحلة الراهنة، وذلك لما تشهده الموارد المالية للسلطنة من تراجع جراء انخفاض أسعار النفط، مما يحد من قدرة الحكومة على تمويل وإنشاء وتشغيل المشاريع الخدمية المختلفة.
تشدد الرؤية على تفعيل الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، من خلال إسناد وتشغيل بعض المشاريع إلى القطاع الخاص، الأمر الذي من شأنه تمكين توجيه الموارد المالية المتاحة بالشكل الصحيح، وذلك بدون شك في المشاريع الحكومية التي تسمح بطبيعتها لدخول القطاع الخاص فيها كالطرق والجسور وغيرها، كما أن شراكة القطاع الخاص خلال المرحلة المقبلة من شأنها أن تسهم في تفعيل التوجه الرامي إلى تنشيط هذا القطاع، بما فيه قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبالتالي الإسهام بفاعلية في تنويع مصادر الدخل للسلطنة، ورفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.
كما ترى اللجنة أن هناك ضرورة لوضع التشريعات المنظمة لهذه الشراكة بين القطاعين بحيث يكون هناك قانون خاص للشراكة بين القطاع الخاص والعام، بالإضافة إلى تفعيل الأنظمة التي ترفع من مساهمة القطاع الخاص في تمويل المشاريع الحكومية من جهة، ويتيح للحكومة توجيه الموارد المالية المحدودة للمشاريع والخدمات التي لا تسمح طبيعتها بدخول القطاع الخاص فيها من جهة أخرى.
من واقع دراستكم لتحديات القطاع الخاص؛ ما هي أبرز المعوقات؟
تتباين المعوقات من مجال إلى آخر، فهناك معوقات تتعلق بالمجال التشريعي مثل قانون العمل وسياسات التوظيف، وقانون استثمار رأس المال الأجنبي، وقانون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وما خلصت إليه اللجنة هو أن عدداً من القوانين التي تنظم نشاط القطاع الخاص، مرت على إصدارها عشرات السنين مثل قانون السجل التجاري رقم (3 /74)، وقانون تنظيم وتشجيع الصناعة رقم (1 /79)، وقانون الوكالات التجارية رقم (26 /77)، وذلك رغم التغيرات المحلية والإقليمية والدولية المتسارعة على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية، والتقنية التي غيرت كثيراً من التعريفات وأساليب العمل والإنتاج والتسويق، بالإضافة إلى الاتفاقيات التجارية وغيرها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
أما في مجال بيئة الأعمال، فقد أظهر تقرير التنافسية العالمية أنَّ السلطنة جاءت في المرتبة الثانية والستين في تقرير التنافسية العالمية للعام 2017-2018، متقدمة بذلك أربعة مراكز مقارنة بالمركز السادس والستين في العام الفائت. ويعُنى مؤشر التنافسية العالمية بقياس العوامل التي تسهم في دفع عجلة الإنتاجية والازدهار لـ 137 دولة حول العالم، معتمداً في ذلك على 12 فئة أساسية، تمثل: دعائم لمؤشر التنافسية وهي المؤسسات، والبنية التحتية، وبيئة الاقتصاد الكلي، والصحة والتعليم الأساسي، والتعليم الجامعي والتدريب، وكفاءة أسواق السلع، وكفاءة سوق العمل، وتطوير سوق المال، والجاهزية التكنولوجية، وحجم السوق، وتطور الأعمال، والابتكار.
إذن، ماذا عن العوامل التي أعاقت عمل القطاع الخاص في مجال بيئة الأعمال؟
كانت هناك ثلاثة محاور، الأول، هو محور المؤسسات، وما يعتريه من بيروقراطية في الإجراءات وعدم وضوح بعضها، مع الحاجة إلى شفافية أكثر في وضع الإجراءات والقوانين، المحور الثاني هو البنية الأساسية، وما يتعلق بها من محدودية في نطاق خدمات النقل الجوي داخلياً وخارجياً مع الحاجة إلى رفع كفاءة إدارة المطارات والموانئ والمشاريع، أما المحور الثالث فيتضمن التعليم بشقيه العام والعالي، وما يتضمنه من تدني في مخرجات التعليم العام، وعدم موائمة مخرجات التعليم العالي بشقيه التقني والأكاديمي لمتطلبات سوق العمل بالإضافة إلى التركيز على التعليم الأكاديمي، على حساب الفني والمهني الأكثر ارتباطاً بحاجات سوق العمل.
وماذا عن العوائق الأخرى؟
بالتفصيل، كانت هناك عوائق تتعلق بسوق المال مثل صعوبة الحصول على التمويل بشروط وأسعار فائدة مناسبة، وكذلك عدم توفر منتجات وخدمات مالية جديدة في سوق المال لتوفير التمويل للقطاع الخاص، وكذلك تفضيل البنوك التجارية لتقديم القروض الشخصية على حساب تمويل الأنشطة التجاري والصناعية، وكذلك محدودية الشركات المدرجة في سوق مسقط للأوراق المالية وقلة الاكتتابات الجديدة، مع طول وتعقيد إجراءات تمويل شركات رواد الأعمال.
وهناك عائق آخر يتعلق بمحور الجاهزية التقنية مثل البطء في تنفيذ خطة التحويل الرقمي وبالتالي محدودية إتاحة خدمات القطاع العام إلكترونياً لقطاع الأعمال، وكذلك الحاجة إلى توسيع خدمات الإنترنت، ومواكبة قطاع الاتصالات لأحدث التقنيات العالمية وما يترتب على ذلك من وضع قطاع الأعمال في وضع تنافسي غير متكافئ على المستويين الإقليمي والدولي.
وكذلك تراجع السلطنة في محور الابتكار بمقدار 39 درجة لتحتل المرتبة 103 من إجمالي الدول، ويعود ذلك إلى تدني مستوى إنفاق الشركات على البحث والتطوير، وعدم وجود روابط بين الشركات والجامعات ومؤسسات البحث العلمي لتشجيع وتفعيل الابتكار، وضعف مخرجات مؤسسات التعليم العالي فيما يتعلق بجوانب البحث العلمي.
وماذا عن الاستثمارات الأجنبية والتحديات التي تعوق تدفقها إلى المناطق الحرة بالسلطنة؟
هناك أسباب كثيرة، تعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية للمناطق الحرة مثل المنافسة الشديد، إذ توجد أكثر من 5000 منطقة حرة في العالم منها 123 في الدول العربية، ومن الأسباب أيضاً التحديات المرتبطة بسهولة أداء الأعمال مثل إصدار تأشيرة مستثمر ومأذونية العمل، وضعف المزايا التمويلية إذ يواجه المستثمر الأجنبي صعوبات التمويل للمشاريع بالسلطنة، إذ تقوم البنوك بتقديم قروض محصورة ومحددة وترفع سقف متطلبات المخاطر؛ بالإضافة إلى عدم اكتمال البنية التحتية والأساسية من الطرق والكهرباء والاتصالات في بعض المناطق الحرة، وعدم توفر الغاز للمشاريع الصناعية مما يعيق تدفق الكثير من الاستثمارات إلى هذه المناطق.
في ظل وجود جميع تلك التحديات وغيرها مما لم يسع الحديث لذكرها؛ ما هي خطوات الإصلاح في وجهة نظر اللجنة؟
لابد من إيجاد بنية تشريعية وفنية متكاملة، وتفعيل الشراكة بين القطاعين من خلال استخدام الصيغ والنماذج المتاحة في هذا المجال، وخصوصاً نظام إسناد وتشغيل مشاريع البنية الأساسية والمشاريع الخدمية للقطاع الخاص وإعادة ملكيتها للحكومة بعد انقضاء الفترة المتفق عليها، ولابد من إجراء تقييم دقيق لتجارب السلطنة الفائتة في هذا المجال خصوصاً قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، قبل الدخول في تعاقدات جديدة.
مع ضرورة الإسراع في إحالة مشروع قانون العمل، وتحديث بعض القوانين السارية مثل قانون السجل التجاري، وقانون تنظيم وتشجيع الصناعة، وكذلك الإسراع في إحالة وإصدار قانون الاستثمار الأجنبي؛ نظراً للحاجة الماسة إلى الاستثمار الأجنبي في ظل الظروف الراهنة، مع الإسراع أيضاً في إصدار قانوني المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والإفلاس والإعسار. مع تحسين جودة نظام التعليم الأساسي والعالي وأجراء تقييم شامل لمنظومة التدريب المهني. بالإضافة إلى تسهيل منظومة الإجراءات وتخليص المعاملات وتقديم حزم من المزايا والحوافز لجعل بيئة الأعمال بالسلطنة أكثر جاذبية وتنافسية مع الاقتصاديات الأخرى في المنطقة.