
علي ناجي الرعوي
ليس هناك اشد عمقا وتعقيدا وتركيبة من ملابسات الحرب المستعرة حاليا في اليمن.. فهذه الحرب بكل أبعادها سواء فيما يتعلق ببعدها الداخلي أو بدور اللاعبين والأطراف الخارجية المنخرطة فيها تبدو مختلفة عن كل الصراعات والحروب الدائرة في أجزاء كثيرة من العالم فهي متعددة الأوجه والجبهات ومتعددة الأهداف والأجندات وبما يصح أن يقال عنها إنها عدة حروب تجتمع في حرب واحدة وقد أدت هذه الحزمة المدمرة والمتداخلة من الحروب إلى سقوط الدولة وتحلل مؤسساتها وانقسام البلاد وتفككها على نحو شبيه بقطع (لعبة الدومينو) التي إذا ما وضعت متراصة جوار بعضها ودفعت القطعة الأولى فإنها التي تتساقط الواحدة تلو الأخرى.
والمؤسف أن كل ذلك قد جرى تحت سمع وبصر المجتمع الدولي الذي وضع اليمن تحت البند السابع، وتحت رقابته وكان المدخل إلى ذلك الحفاظ على وحدة الدولة وإنقاذ اليمن من فخاخ الفوضى ومساعدته على تجاوز انقساماته بما يحقق له وللمنطقة الأمن والاستقرار.
لقد أفرز طول زمن الحرب تناقضات جمة وحالة من التأكل الداخلي في اليمن تجعل من الصعب تشخيص هذه المأساة أو الملهاة التي وضعت مستقبل هذا البلد في مهب الريح ودولته على طاولة التشريح وتركت مشاكله تلتهب وتتقيح وأركانه تحترق أو تتساقط فيما المتصارعون منهمكون بأداء أدوارهم غير مبالين بالمحنة التي تحيط بالملايين من اليمنيين الذين يتابعون المشهد مرغمين وفي نفوسهم شيء من السخرية والاستغراب والخوف على وطنهم الذي أصبح لفظة مشطوبة من قواميس أولئك المتصارعين ومن خلفهم المجتمع الدولي الذي يبدو في حالة استرخاء أو غير مكترث بموتهم وبالوجع الذي يدمي قلوبهم والمؤلم حقاً أن المجتمع الدولي غير المعتدل في موازينه ورؤيته واهتماماته لم يعد يعنيه سواء مصالحه مهما تمسح بالقيم والدفاع عن حقوق الإنسان.ربما تفاجأ العالم هذه المرة بما جاء في تقرير الفريق الأممي الذي تقدم به قبل ثلاثة أيام إلى مجلس الأمن الدولي والذي وصف المشهد اليمني في فقرات بانوراميه ترسم على عجل ذلك الواقع المشتت والمتداخل في ذات الوقت فهو بمقدار تشتته الظاهر في المستويات السياسية بوجود عدة حكومات وعدة جيوش ووزارات مكررة ومئات المجموعات المسلحة التي تتوزع على الجغرافية اليمنية حيث توصل ذلك الفريق الأممي إلى نتيجة مفادها أن اليمن الذي كان قائما قبل قرابة ثلاثة أعوام لم يعد موجوداً فقد تحولت البلاد من شبه دولة موحدة إلى دويلات وكيانات متناحرة ومتصارعة لا يمتلك أي منها الفاعلية السياسية أو القوة العسكرية التي تمكنه من إعادة توحيد البلاد أو حسم الصراع في ميدان القتال إلى درجة اقتنع معها ذلك الفريق من أن أي حديث الآن عن فرصة غير محددة لوقف إطلاق النار أو إعلان هدنة مقيدة بنجاح اتفاق سياسي بات غير ممكن في ظل عدم وجود أي استعداد لدى الأطراف المتصارعة لتقديم تنازلات حقيقية لإنهاء الحرب وعودة البلاد الى سابق عهدها.
على الرغم مما يطرح من ملاحظات على تقرير الفريق الأممي (340 صفحة ) فانه قدم خلاصة مهمه بشأن ديناميات الصراع في اليمن وتحولاته وتعقيداته داخلياً وإقليمياً واضعاً الأطراف كلها أمام أخطائها وخطاياها والتي تمضي باليمن نحو الهاوية بفعل صراع الأجندات بين هذه الأطراف وأدواتها على الأرض والتي وصفها التقرير بأنها من تقوم بحرب بالوكالة إذ لم يسلم طرف من تلك الأطراف المحلية والإقليمية من النقد والاتهام، وذلك حينما أكد على أن كافة الأطراف ساهمت بدرجات متفاوتة في تفكيك اليمن إلى أجزاء حتى صار من المشكوك فيه بإمكانية إعادة جمعه من جديد كبلد واحد ولا نستبعد أن هذه الأطراف قد عمدت إلى فرك أياديها عندما وجدت في نهاية المطاف أن ذلك التقرير قد وزع المأساة اليمنية عليها بالتساوي مما يعني بلغة اليمنيين الدارجة: «إن دماء الضحية قد توزعت بين القبائل وفي ذلك إشارة واضحة على التوجه بدفن هذه المأساة أو الضحية بحل يرفع الحرج عن جميع المتورطين فيها ويقود أيضا إلى تبيض وجه المجتمع الدولي الذي شرعن الحرب في اليمن وتدمير بنيته الأساسية وسفك دماء الأبرياء فيه على مدى ثلاثة أعوام.
بيد أن الأهم في هذا التقرير هو حديثه المستفيض عن الشرعية التي جاءت (عاصفة الحزم) لاستعادتها حيث أشار إلى أن هذه الشرعية فقدت الكثير من كينونتها إن لم تصبح غير موجودة أو باتت أثراً بعد عين بفعل ظهور كيانات نقيضة للدولة أو كيانات ما قبل الدولة في طبيعية تشكلها ومهامها وعقيدتها وسعيها إلى تحقيق أهداف وأجندات لا صلة لها من قريب أو بعيد بمنظومة الدولة وهو ما يمثل جرس إنذار من أن اليمن ككيان سياسي وقانوني هو اليوم على وشك الاندثار وأن ذلك إذا ما حدث فإنه الذي قد يتحول إلى انفجار يعصف باليمن والمنطقة وكان ذلك التقرير أراد أن ينبه المجتمع الدولي بأن الوضع في اليمن في طريقه إلى الخروج عن السيطرة وأن ذلك ستكون له نتيجة عكسية على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
يقول واقع الحال إن العملية السياسية في اليمن مقفلة أو مؤجلة وأن كل يوم يمر والوضع الراهن على ما هو عليه يزيد من عمق المأساة ومن عذابات اليمنيين وانه ومع مرور الوقت تزيد الصعوبات التي تحول دون التوصل الى مخرج.. وأمام هذا الواقع يبقى السؤال الأساسي: هل اقتنع المجتمع الدولي بالحاجة إلى تسوية حقيقية في اليمن تأخذ بالاعتبار الحاجة الى صيغة جديدة ومبتكرة تنقذ البلد من الانهيار بشكل نهائي؟ أم أن القوى الدولية التي تمسك بالقرار ليست معنية بالحلول بقدر اهتمامها بإدارة أزمات العرب وإطالة أمدها لأكبر فترة ممكنة وبما يسمح لها بعقد المزيد من الصفقات السياسية والعسكرية على حساب الدماء النازفة في هذه الحروب والأزمات؟ مع ذلك فهناك من يعول كثيراً على المبعوث الأممي الجديد البريطاني مارتن غريفيث لتحقيق ما فشل فيه سابقيه وذلك بكسر الحلقة المغلقة ودفع الأطراف إلى حوار جدي يؤدي إلى وقف النزيف في أفقر البلدان العربية وأكثرها خطورة على أمن الخليج على الرغم من أن فرص نجاح هذا المبعوث تبدو محدودة جداً وأقل مما يتوقعه البعض.
كاتب يمني