
علي العبيد
تلعب الأسرة في العديد من الأحيان، دورا مباشرا في اختيار أبنائها للتخصص الدراسي لاسيما الدراسات الجامعية أو بمعنى آخر العليا من دبلومات أو درجات مهنية متقدمة أو أية من المسارات التأهيلية الأخرى، هذا من جانب وتجد من الجانب المقابل تأثير نظرة المجتمع المحيط بالأسرة في كيفية اختيارها المسار المهني لأبنائها منذ نعومة أظافرهم أو على أقل تقدير في توجيههم لتحديد رغبات بعينها لهم، متطلعين إلى الوجاهة الاجتماعية في نظرهم من خلال بعض المهن والوظائف ويكون ذلك عبر أحلام وأمانٍ مشروعه، ولكنها غير واقعية ولا تتلاءم مع قدرات وإمكانات البعض، وقد تحمل في طياتها إفرازات تقدح في هذه الأماني والأحلام حين تمضي السنوات الدراسية سريعا، ويُفاجأ الخريج أنه مواجه بواقع عملي مُغاير لتلك الصورة التي رسمها لنفسه مُسبقا في إطار النظرة الكلية للمحيطين به الأمر الذي يجعله يتمنّى لو عادت به عجلة التاريخ إلى الوراء؛ ليتمكن من تحديد نوعية الدراسة التي تتناسب مع ميوله واستعداده الفكري والواقع العملي المُتاح في سوق العمل الفعلي المُعاش بما يخدم المجتمع بصورة إيجابية.
إذن من المسؤول أدبيا عن هذا الوضع؟ بالطبع، ليس الخريج وحده، بل هناك في قناعاتي أطراف أخرى مثل الأسرة كما أسلفت والمحيط الاجتماعي وطبيعة المناهج العامة ومدى ملاءمتها لمتطلبات سوق العمل الآنية والمستقبلية، والتي من المؤمل أن تستوعب مخرجات التعليم بنسب معقولة خاصة في القطاع الخاص.
إن هذا المنعطف المهم في مسارات الأبناء دعا المهتمين والمتخصصين إلى الأخذ بعين الاعتبار تطوير مؤسسات التعليم التقني والمهني، لتأهيل وترتيب قاعدة الهرم الوظيفي وصقل كوادرها بالوسائل الحديثة، بدلا من التركيز فقط على بناء قمة الهرم دون سواها، وهذا الجهد المقدّر يصب في خانة تلبية احتياجات السوق المحلية المتنامية من القوى العاملة المؤهلة مهنيا ويدخل ضمن هذه المنظومة تحديث برامج الإرشاد المهني لحث الشباب إلى الاختيار الأمثل للمهن والأعمال التي تلائم قدراتهم الفردية بما يفتح لهم آفاقا وفرصا عديدة في المستقبل.
وفي هذا السياق، على الشباب ألا يستنكف الأعمال اليدوية أو الحرفية والصناعية؛ لأن العمل كل الأعمال الشريفة تعتبر قيمة اجتماعية وواجبا وطنيا وبالتالي ليس هناك مبرر لطلب مهن بعينها تلبي الرغبة الشخصية فقط.. نعم يوضع الفرد المناسب في المكان المناسب ولكن الذي يعمل في أية مهنة وهو متعلم أفضل من المتعلم الراكن والساكن مترقبا المهنة والعمل الذي يتمنى.. بالطبع اعمل ما تحب ولكن أن تحب ما تعمل مهارة مهمة يجب أن أتقنها لأنها فن الممكن في علم الإدارة.
ولا يفوتني في هذا العرض الموجز أن أشير إلى أن هناك العديد من مجالات التدريب التحويلي والتي تساعد في إيجاد مهارات جديدة من خلال إلحاق بعض الخريجين الأكاديميين ببرامج تأهيلية تحوّل المعارف النظرية إلى مهارات تطبيقية في مهن وأعمال تلائم القدرات الفردية وتلبي احتياجات سوق العمل وتعين على اكتساب مردود اقتصادي ووضع اجتماعي مميّز يسهم في تغيير نظرة البعض السلبية لعدد من المهن والوظائف والأعمال التي لها مردود مادي يفوق في بعض الحالات تلك الوظائف الإدارية والمكتبية.
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). صدق الله العظيم.