
علي بن راشد المطاعني
قبل سنوات قليلة كتبت مقالا عن تجربة عائلية لأربع أخوات يدرن شركة، وكلهن جامعيات، بعضهن استقلن من وظائفهن الحكومية لإقامة مشروع خاص، وبعضهن الآخر كن باحثات عن عمل، وقلت آنذاك إنهن لو كن موظفات لكلفن الحكومة مليون ريال عُماني، على أساس أن رواتبهن ألف ريال شهريا لكل واحدة، ما يعني 4000 ريال شهريا لأربع موظفات و48 ألفا سنويا، 960 ألف ريال لعشرين عاما كمتوسط عدد سنوات الخدمة، وكتبت عن هذه التجربة في إطار تشجيع العمل الذاتي الحر وما يوفره على الحكومة من التزامات مالية كبيرة، فضلا عن أن لهذه الأعمال قيمة مضافة في توفير الخدمة وتشغيل غيرهن، وكنت أتابع تطور هذه الشركة العائلية كنموذج يمكن أن يحتذى به في الكثير من الأعمال في السلطنة.إلا أنني فوجئت عندما تلقيت اتصالا في الأسبوع الفائت من صاحبة الفكرة والتي من المفترض أن تكرم على جهودها لتعزيز العمل الحر وكنموذج يحتذى به في العمل الجماعي كعائلة كاملة تعمل في عمل واحد، حيث بدأت تشكو مر الشكوى من الصعوبات التي تواجهها ويواجهها رواد الأعمال عموما، وأفصحت عن التحديات التي تواجههن سواء في دفع مستحقات الأعمال أو عدم منحهن عقود عمل رغم جودة أعمالهن، وتفضيل الأجانب عليهن في بعض الجهات والشركات الحكومية، ويصل الأمر إلى أكثر من ذلك في واحدة من أكبر التحديات التي تواجه ريادة الأعمال وتنذر بانحسار هذا الجهد الطيب في ظل المحبطات التي تواجههن هن وغيرهن من رواد الأعمال في مفارقة غريبة أن تحدث، وفي تناقض بين الدعوة لتشجيع ريادة الأعمال من جهة، وتحطيهما من جهة أخرى للأسف، غير مبالية بما تبذله الجهات الحكومية المختصة لصناعة ريادة أعمال وتأسيس رواد أعمال قد تتغير من خلالهم الكثير من الأمور التي نعاني منها.
لاشك أن سياسات دعم ريادة الأعمال وهياكلها ومؤسساتها حاضرة بقوة ضمن التوجهات لدعم رواد الأعمال من جانب الحكومة ممثلة في عدد من المؤسسات كهيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وصندوق الرفد وبنك التنمية العماني وغيرها من الجهات الداعمة، فهذه لا غبار عليها في إسداء الدعم لرواد الأعمال والنهوض بهم إلى ما يتطلعون، إلا أن الواقع نجده مختلفا بدرجة 180 درجة بلغة الرياضيات في جهات أخرى لا تتناغم جهودها مع جهد هذه الجهات في دعم رواد الأعمال في الكثير من الأمور، فهناك عقبات لا تزال موجودة تواجه هذه التطلعات ينبغي علينا الإقرار بها ومن ثم العمل بإخلاص للتخلص منها بأسرع وقت ممكن، فالتسهيلات والدعم قد يشكل ديمومة لهذه المؤسسات وفق فلسفة عمل يتم انتهاجها من قبل كل الجهات لدعم هذه الفئات وتسهيل عملها.
فمعاناة هذه الأسرة التي آلت على نفسها أن تبدأ بمشروع ويكبر بمرور الأيام وتوالي السنين، هي الآن -كنموذج- بين أمرين أحلاهما مر، إما إغلاق الشركة ووأد التجربة، ليذهبن بعد ذلك للهاث خلف وظيفة، أي البدء بداية جديدة ومن الصفر أيضا، وإما أن نبحث لهن عن حلول تكفل استمرارهن لتغدو تجربتهن مثلا يحتذى به لكل أبناء الوطن الذين مابرحوا ينتظرون سراب الوظيفة الحكومية وآخرين في طريق البحث عن عمل.إن توفير مليون ريال على الحكومة خلال عشرين سنة كمتوسط ليس رقما بسيطا إذا قارناه بأي دعم تحصل عليه الأسرة سواء في شراء منتجاتها أو تسريع دفع مستحقاتها أو غيرها من وسائل الدعم التي مهما كانت جزيلة لن تفي قيمة هذا العمل في ريادة الأعمال وما يوفره من أموال للدولة تدفعها للوظائف، ناهيك عن أن تشجيع ريادة الأعمال هو السبيل لاستيعاب الشباب والمساعدة على بث ثقافة عمل حر في البلاد.بالطبع ليست كل المؤسسات تعاني من تأخر المدفوعات والمشتريات أو غيرها من أخطاء وممارسات، ولكننا نرغب في أن تكون هناك منهجية واضحة في التعاطي مع رواد الأعمال تسهم في تعزيز دورهم الاقتصادي والاجتماعي وتضمن لهم الاستمرارية التي تحافظ على بقائهم كرواد أعمال وتنهض بهذا الجانب في المجتمع إلى مستويات أفضل وهذا لن يتأتى إلا من خلال فهم عميق لمعنى ريادة الأعمال من كل الوزارات والشركات الحكومية وترجمة الأقوال إلى أفعال.
نأمل أن يحظى هذا الموضوع بأعلى درجات الاهتمام والاعتبار والمتابعة لما له من أهمية كبيرة في تمكين أبنائنا وتعزيز دورهم في بناء الوطن.
بالطبع لا ننادي بأن كل الأمور للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تكون مفروشة بالورد وألا يواجهوا صعوبات، لكن يجب أن نعي دورنا في تشجيعهم بمثابة توظيف لهم في أعمالهم الحرة وتحفيزهم للاستمرار بدلا من أن يتحولوا إلى باحثين عن عمل يضافون إلى الطوابير التي تنتظر.
ففشل تجربة هذه الأسرة وغيرها ستكون لها عواقب وخيمة على أي تجارب لاحقة لها باعتبارها تمثل قمة سنام الإحباط المسبق الذي سيكبل أي إرادة جديدة وباعتبار أن النتيجة معروفة سلفا وهي «الفشل»، وهذا مالا نرغب في أن نراه وقد أمسى حقيقة.