دول التعاون واستشراف المستقبل

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٤/فبراير/٢٠١٨ ٠٤:٤٤ ص
دول التعاون واستشراف المستقبل

فريد أحمد حسن

من المفاهيم التي تهتم بها دول مجلس التعاون الخليجي اليوم بشكل خاص مفهوم «استشراف المستقبل» الذي يدخل في باب التنبؤ اعتماداً على معطيات الواقع، فإن تستشرف المستقبل يعني أنك لا تقنع بالركون إلى الواقع والحاضر وأنك تطمح أن يكون غدك أفضل من يومك وأن تحقق فيه ما لم تتمكن من تحقيقه اليوم. والاستشراف في قواميس اللغة اسم مثاله صعود البرج للإطلال على المدينة من أعلى والنظر إليها، وهو يعني أيضاً التطلع إلى المستقبل والحدس به. يقال استشرف الشيء رفع بصره ينظر إليه، والقمة المستشرفة هي المرتفعة التي تطل على غيرها. في السياق نفسه من معانيه استشراف السوق أي استطلاع أحوالها وإمكاناتها في المستقبل.

أهمية هذا المفهوم تنبع من أنه لا يمكن التخطيط للمستقبل بناء على ما هو متوفر في الحاضر فقط، فالمستقبل لا بد أن يكون مختلفا، ولا بد أن نستعد له جيدا وإلا فوجئنا بما لا يمكننا التعامل معه وخسرنا الكثير من الفرص بسبب عدم قدرتنا على التكيف مع المتغيرات.
المعنيون بتعريف مفهوم استشراف المستقبل يلخصونه في أنه «عملية تبني المنهجيات والأساليب العلمية لمحاولة فهم التطورات التي ستحدث في المستقبل، وتقليل نسبة الغموض وعدم اليقين بغرض الاستعداد والتخطيط لتلك التطورات لمدة تزيد على عشرين عاماً»، وحسب المشهور من المعلومات فإن «هيرمان كاهان» يعد الأب الروحي لهذا الفرع من العلوم حيث وضع الإطار النظري له منذ الأربعينيات وأنه توجد طرق عدة يمكن استخدامها لاستكشاف ما يخبئه المستقبل ومن ثم وضع الحلول وسن السياسات والتشريعات التي تتماشى معه.
المتخصصون في هذا الموضوع يؤكدون أن استشراف المستقبل بات ضرورة قصوى ومطلبا ملحا للدول التي تعاني من تحديات تنموية واستراتيجية وأن من فوائده المساهمة الفاعلة في وضع الحلول للمستقبل بكلفة اليوم والتي هي أقل كلفة، فاستشراف المستقبل من شأنه «تمكين المعنيين من وضع البدائل المستقبلية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة وتوفير متطلبات الاستجابة لاقتصاد ما بعد النفط».
بشكل عام فإن دول مجلس التعاون تحرص على استشراف المستقبل لضمان استمرارية تحقيق الازدهار والتقدم والرفاهية للأجيال القادمة، فذلك يعين على «تحليل تأثير التطورات وتحديد البدائل واختيار أفضلها لتطوير الاستراتيجيات والمبادرات الاستباقية التي تتواكب مع التوجهات المستقبلية»، لهذا فإن دول التعاون جميعها تهتم بأن يكون العاملون في حكوماتها على معرفة بمفهوم استشراف المستقبل بغية ترجمة ذلك إلى خطط استراتيجية ومبادرات تنفيذية. اليوم يؤمن المسؤولون في هذه الدول بأهمية «وضع السيناريوهات المتعددة لاستشراف المستقبل ومواجهة التحديات وفق أفضل الممارسات من أجل رسم آفاق جديدة أكثر تطوراً ونمواً للاقتصاد الوطني على المستويات كافة».
كمثال على اهتمام دول المجلس بموضوع استشراف المستقبل لعل من المناسب التذكير ب»ملتقى استشراف المستقبل»الذي عقد في مسقط قبل نحو ثلاثة أشهر والذي سلط الضوء على «الاتجاهات المستقبلية الدولية والإقليمية والوطنية لموضوعات قطاعية تهم المجتمع العماني والمعنية باستشراف التوجهات المستقبلية في السلطنة» وهدف إلى «نشر الوعي العام حول أهمية صناعة المستقبل، وإيجاد حلول إبداعية للتحديات التي قد تواجهها السلطنة لضمان الازدهار والنمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي بحلول العام 2040 وبما يعزز موقع السلطنة على الخريطة العالمية» (ملتقى استشراف المستقبل يعدّ جزءا من مشروع إعداد الرؤية المستقبلية عُمان 2040 ومكملا لمراحل شملت تشخيص الوضع الراهن في السلطنة وتحديد القضايا الرئيسية لواقع التنمية الاجتماعية والاقتصادية التي ستتناولها الرؤية، وعقد المقارنات المرجعية وتحديد أفضل الفرص التي يمكن تبنيها وتنفيذها).
لكن أمراً مهماً لا بد من الإشارة إليه هنا هو التطورات التي لم تكن في الحسبان بسبب الخلاف الطارئ بين بعض دول مجلس التعاون والتي من شأنها أن تربك الكثير من الخطط المستقبلية، فما حدث في يونيو من العام الفائت كان مفاجئا وغريبا ولم ينته حتى الآن وهذا يعني أن تصور المستقبل بناء على المعطيات التي كانت قبل حصول المشكلة الخليجية خطأ له آثار سلبية كبيرة خصوصا وأنها لا تزال مستمرة بل تتعقد.
منطقاً لا يمكن اعتماد التصورات التي تم التوصل إليها عند القيام بعملية استشراف المستقبل التي تمت قبل حصول المشكلة، ومنطقا أيضا لا يمكن استشراف المستقبل بناء على فرضية أن المشكلة ستحل قريباً، فقد لا يتحقق هذا الأمر، هذا يعني تأثر عملية استشراف المستقبل في كل دول مجلس التعاون وتعطلها إن لم يتم وضع سيناريوهات عديدة ومتناقضة حيث استمرار المشكلة سيؤدي بالضرورة إلى تغير تفكير كل هذه الدول وتغير المعطيات في المستقبل، هذا إن لم تحدث تطورات سلبية أخرى تزيد المشكلة تعقيدا وتجعل من حلها أمنية صعبة التحقق.
لهذا فإن الجهد الأكبر لدول مجلس التعاون وللأمانة العامة للمجلس ينبغي أن ينصب اليوم على إيجاد مخارج يقبل بها الطرفان المتخاصمان ويوفر حلا غير محدود الصلاحية كي لا تعود هذه المشكلة ولا غيرها مستقبلا، وكي تتمكن هذه الدول مجتمعة ومستقلة من استشراف المستقبل بطريقة علمية تجعلها مستعدة له ومتصورة للكثير من تفاصيله وعارفة بطرق التعامل مع كل المتغيرات والتطورات حتى الغريب والطارئ منها.
الأمر صعب دونما شك، فإن تستشرف البلدان المستقبل وهي غير مستقرة ولا تعرف إلى أين يمكن أن تصل المشكلة الطارئة التي تعاني منها وتزداد تعقيداً أمر يختلف كثيراً عن استشرافها المستقبل وهي مستقرة ولا تعاني من مثل هذه المشكلة الصعبة بكل المقاييس.

كاتب بحريني