هل فعلاً نريد الاستثمار في عُمان؟

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٢/فبراير/٢٠١٨ ٠٣:٣١ ص
هل فعلاً نريد الاستثمار في عُمان؟

سمعان كرم

الاستثمار يتطلب أموراً عديدة يأتي في مقدمتها وجود رأس المال. وكما نعرف فإن رأس المال هذا يخاف لا بل ينعت بالجبن بصورة عامة. الحذر ضروري حتماً وإدارة المخاطر مهمة ودراسة السوق أساس والجدوى الاقتصادية هي الحلقة المفصلية. أما أن يؤدي هذا الحذر إلى تجميد الأموال ودفنها في قطاع واحدٍ مثل العقار، أو استثمارها في الخارج أو إيداعها في مصارف بلدان نظنها آمنة فهذا يتسبب في تعطيل النمو في البلاد وانكماش في الاقتصاد. إذا لم نعزز قراراتنا بشيءٍ من الثقة بالوطن ومحبته وهو الذي كان أصلاً مصدر أموالنا فنكون مثل الوافدين الذين يعملون في البلاد ويرسلون مداخيلهم إلى بلادهم. فلا يكون عندها فرقٌ بيننا وبينهم.

تبيّن أرقام ودائع القطاع الخاص في المصارف المحلية أنها ضعيفة وهزيلة، فهي لا تتعدى اثني عشر بليون ريال عماني في الوقت الذي تصل فيه القروض الشخصية إلى ثمانية بلايين ريال عماني. لكي نستوعب حجم المسألة نأخذ على سبيل المثال لبنان الذي يقارب ناتجه المحلي الإجمالي أرقام ناتجنا والذي يعيش على أرضه عدد من الناس يقارب مثله في عُمان. بالرغم من الحروب الداخلية وتلك التي تحيط به، بقي إيمان أبنائه باقتصاده عالياً. هذا التصرف شكّل الركيزة الأساسية لمواجهة التحديات ومعالجتها والسيطرة عليها. تزيد ودائع اللبنانيين في بنوكهم المحلية عن ستة أضعاف ودائع العُمانيين في بنوكهم. إذا ضعفت السيولة ضعف التمويل المتوفر للاستثمار، علماً بأنه ليس العامل الوحيد في المعادلة. إذن ولأسباب عديدة يبدو أن أصحاب الثروات والإمكانيات المالية لم يتشجعوا للاستثمار في بلادهم بما فيه الكفاية ولم يودعوا أموالهم في البنوك المحلية كي يتفعل الاستثمار. وهذه معضلة عميقة تجب دراسة أسبابها وجذورها والعمل على تخفيف حدتها. هذا بما يتعلق بالاستثمار المحلي.
أما بالنسبة للاستثمار الخارجي المباشر، مبدئياً يتوفر رأس المال لكن تفعيله له متطلبات عديدة، يأتي الاستقرار الأمني والاقتصادي في طليعتها. هناك مؤشرات عديدة لتوصيف هذا الاستقرار. منها نسبة النمو، وحجم الدين العام، والتصنيف الائتماني، وميزان المدفوعات، وحجم الصادرات والواردات والميزان التجاري. تجتمع تلك المؤشرات كلها لنعت الاقتصاد بالمستقر وبالتالي المشجع للاستثمار الأجنبي. بعدها تأتي الرؤية الاقتصادية الواضحة المعالم التي تحدد الهوية المستقبلية. في هذا الصدد ما نزال نبحث عن هوية متفق عليها ويسعى الجميع لدعمها وإبرازها وتسويقها. هل نصبو أن تكون عُمان بلداً سياحياً بامتياز، أم صناعياً، أم زراعياً أم بتروكيماوياً أم بلد الطاقة البديلة أم لوجستياً. التنويع الاقتصادي لا يعني بالضرورة تبعثر الموارد وتشتت الاهتمامات. هوية اقتصادية واضحة تتقدم النمو وتجر وراءها القطاعات الأخرى. في نفس الوقت ما تزال الرؤية 2020 قائمة، والرؤية 2040 قيد الدرس بصورة منفصلة عنها، وبرنامج تنفيذ يتقدم ببطءٍ في قطاعات مختلفة، والثورة الصناعية الرابعة المبنية على التقدم التكنولوجي والمعرفي على الأبواب. من سيوحّد تلك الرؤى ويربطها ببعضها ويجمع ما تشتت منها ويرسم خطاً واضحاً لها؟ المستثمر يريد أن يتعرّف على المشاريع التي تنوي الحكومة القيام بها لتحقيق تلك الرؤية علماً بأن مختبرات «تنفيذ» قد خرجت بلوائح خجولة ولم تنطلق كلها بعد.
ومن ثم يريد المستثمر القوانين الواضحة التي لا مجال فيها لتفسيرات متعددة إذ هي التي تشجعه وتحميه وتحمي حقها. والقوانين تلك لا تقتصر على قانون الاستثمار والشراكة (PPP) والإفلاس بل تجب مراجعة العديد من القوانين التي لها تأثير على المستثمر مثل قانون الهجرة، وقانون العمل ونظام إصدار المأذونيات والتأشيرات، وطرق حل المنازعات والتحكيم بها. الحكومة لها الحق في وضع القانون الذي تريده وهذا حقها النابع من سيادتها لكن على تلك القوانين أن تكون واضحة في نصوصها ومعززة بلوائح تنفيذية تحد من الانحرافات والمفاجآت عند تطبيقها.
بعدها يأتي التسويق لتلك الخطط والمشاريع. وهنا ينقصنا الكثير. خلال زيارة أحد الوفود التجارية إلى عُمان وبخاصة إلى «إثراء» قال رئيس الوفد الضيف: «اسمحوا لي أن أعبّر عن رأيي النابع عن خبرة شخصية وعن محبتي لعُمان. هناك دولٌ تقدّم القليل وتسوّق الكثير وأخرى تقدّم الكثير وتسوّق القليل، وعُمان مع الأسف من المجموعة الثانية»، الترويج لمنتجاتنا وخدماتنا ليس على مستوى الفرص التي توجد عندنا. نتكلم عن مليون أو مليوني سائح في السنة وبعض الدول الخليجية تستقبل خمسة عشر مليون سائح. نحن الذين نملك التاريخ والحضارة والطبيعة الخلابة والشعب الطيب الأصيل، وهم عندهم السياح. كم عدد الاتفاقيات التجارية الموقعة والمفعلة لاستعمال بنيتنا الأساسية في اللوجستيات.
المطار الجديد يبدأ أعماله قريباً. كم شركة طيران عالمية ستنقل عملياتها عندنا؟ هل أصبحنا فعلاً محطة رئيسية على طريق الحرير الجديد؟ لو تركنا جانباً الاستثمارات الخارجية في قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات المتعلقة بها وتركنا مشاريع إنتاج الكهرباء والمياه المضمونة للمستثمرين، كم بليون ريال استجلبنا للسياحة، للخدمات اللوجستية، للحوض الجاف، لمشاريع الأمن الغذائي، للتعليم، للصحة، والاستزراع السمكي؟ أرقامنا تبقى متواضعة.
يبقى العائق النفسي والثقافي والأناني عند كل منا. هل نحن فعلاً مقتنعون بفائدة الاستثمار الأجنبي ومستعدون أن نتحمّل تبعاته مقابل فوائده؟ بعد مشاركتي في مؤتمرات عديدة، وحلقات عمل طويلة، ومبادرات، وتعليقات، ومجالس يتبيّن أن الكثير من المواطنين لا يتقبلون فكرة أن يأتي أجنبي ويأخذ أرضنا ومالنا ويعود إلى بلاده كما يقولون.
لم نعترف بعد بأن المستثمر الأجنبي يأتي بماله الخاص، ويخاطر به معنا من أجل الربح والفائدة المشتركة لنا وله. لا يأتي إذن ليأخذ خيراتنا بل يطوّرها وينمّيها معنا فتعود على الطرفين بالنفع. الشراكة مع المستثمر الأجنبي المباشر هي لمصلحة الطرفين.